السبت، 26 نوفمبر، 2016

حوار على هامش حوار


بين الثقافة العربية واليابانية

كنت مرافقا لوفد مكون من إحدى الدول العربية عددهم يزيد على العشرين، وكان لديهم لقاء مع نائب السكرتير الصحفي لوزير الخارجية اليابانية كما هو مكتوب في بطاقته الرسمية التي وزعها على الجميع، أو نائب المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية كما فهمنا من كلامه معنا.
كان اللقاء مرتب على أن يتم بأكمله باللغة الإنجليزية بدون ترجمة. ولكن عند بداية اللقاء وبعد أن ألقى المسؤول الياباني كلمة التحية، طلب مني الوفد العربي أن أبلغه برغبتهم أن يتم اللقاء من خلال الترجمة من اللغة اليابانية إلى اللغة العربية وبالعكس. وكان السبب المعلن أن هناك بعض الحاضرين من الوفد العربي الذين يريدون أخذ راحتهم في الحديث وهو لم يكن متاحا لهم لو كانت اللغة الإنجليزية هي لغة اللقاء. فقال المسؤول الياباني يمكن أن تتم الترجمة بين اللغة الإنجليزية والعربية، وسألني هل يمكنني القيام بذلك؟ أبلغته بعدم قدرتي على ذلك وأنني لا أترجم إلا بين اللغتين اليابانية والعربية فقط، فقال ألا يوجد شخص آخر يمكن أن يقوم بذلك، وكان الوضع أنه لم يكن يوجد من يقوم بهذه المهمة. فأصر الرجل على الحديث باللغة الإنجليزية وعدم استخدام الترجمة بين العربية واليابانية، وكان له ما أراد.
بعد انتهاء اللقاء وأثناء انتقالنا بالباص إلى الموعد التالي دار بيني وبين الوفد العربي الحوار التالي وكلامي فيه عبارة عن وجهة نظر شخصية تكوّنت لدي من خلال خبرة طويلة من العمل مترجما في مؤسسات حكومية يابانية عديدة من ضمنها وزارة الخارجية اليابانية ذاتها. ورأيت أن أنقل الحوار هنا لكي تعم الفائدة ونرى ملمحا من طريقة التفكير اليابانية.
-       الزائر العربي 1: لماذا أصر المسؤول الياباني على التحدث بالإنجليزية رغم طلب الطرف الآخر – ومن المفروض أنهم ضيوفه وطلباتهم مجابة – الترجمة بين اللغتين العربية واليابانية؟
-       أنا: السبب هو الثقة.
-       الزائر العربي 1: ثقة في مَن؟
-       أنا: الثقة في المترجم وهل هو سينقل تماما ما يقول الرجل أم سيخطأ ويوصل للمستمع معلومات خاطئة.
-       الزائر العربي 2: هل تعنى أنه لا يثق بك لأنك من بلد ثالث، ولو كان المترجم مننا سيوافق؟
-       أنا: لا. أعتقد أنه كان سيرفض أي مترجم مهما كانت جنسيته (حتى ولو كان يابانيا). هو لا يثق إلا في المترجم الذي يعمل في وزارة الخارجية اليابانية وتم إعداده واختباره لكي يقوم بنقل المعلومات الرسمية بشكل دقيق.
-       الزائر العربي 3: ولكن كان هناك فعاليات ترجمها مترجمون لا يعملون في وزارة الخارجية؟
-       أنا: أغلب اللقاءات الرسمية وخاصة التي يتحدث فيها مسؤول حكومي ياباني يكون المترجم من وزارة الخارجية حصرا إلا في حالات نادرة يكون فيها توفير مترجم من الوزارة مستحيل ويكون المسؤول الياباني (أو الطرف الآخر) غير قادر على التحدث باللغة الإنجليزية بشكل مطلق.
-       الزائر العربي 2: ولكن المعلومات التي قيلت ليس بذات الأهمية الذي يتطلب فيها كل ذلك؟
-       أنا: بغض النظر عن محتوى كلامه فالرجل هو نائب المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية وأية كلمة منه في لقاء مثل هذا تُعبّر عن رأي الحكومة اليابانية وإذا فُهم كلامه خطأ بسبب الترجمة ستصبح مشكلة كبيرة من وجهة نظره وخاصة أن تأثيركم يتخطى حدود دولتكم إلى العالم العربي كله.
-       الزائر العربي 1: ولكن الأمر نفسه عند حديثه باللغة الإنجليزية فربما أفهم أنا ما قاله خطأ وأنقله بشكل غير دقيق؟
-       أنا: في هذه الحالة سيكون هذا خطأك أنت ولا يُسئل هو عليه لأنه سيوضح أنه قال باللغة الإنجليزية كذا وكذا.
-       الزائر العربي 3: وهو ما يمكنه فعله أيضا في حالة الترجمة عن اليابانية يقول لقد قلت باليابانية كذا وكذا ولم أقل ما نقله المترجم مثلا، أليس كذلك؟
-       أنا: بالطبع هذا صحيح، ولكن هناك فرقان، الأول هو أنه بحكم منصبه سيُسئل لماذا لم يتوقع ما حدث ويقوم بتوفير مترجم موثوق فيه؟ والنقطة الأخرى هو وجود الشهود، ففي حالة اللغة الإنجليزية هناك العديد من الشهود من الجانبين شاهدين على ما قال. أما في حالة الترجمة المباشرة من اللغة اليابانية إلى اللغة العربية، فلا يوجد في هذه الحالة إلا المترجم فقط هو الوحيد الشاهد على ما قال، وربما ينكر أنه أخطأ في الترجمة. وأعتقد ولو أني كنتُ غير متأكد من ذلك، أنه لو وجد في اللقاء أحد موظفي وزارة الخارجية القادرين على فهم اللغة العربية ربما كان سيوافق على أن أترجم أنا من اليابانية إلى العربية وبالعكس لأنه سيضمن أن أحد مرؤوسيه يمكنه فهم ما أقوله وتصحيحه في الوقت المناسب أو على أسوء تقدير يكون شاهدا على أن الخطأ كان من المترجم.
-       الزائر العربي 4: هل هذا هو فقط السبب؟ أنا غير مقتنع.
-       أنا: هناك سبب آخر يمكن أن يكون له دور في إصرار الرجل على الرفض.
-       الزائر العربي 4: ما هو يا ترى إن اليابانيين لشعب عجيب حقا!

-       أنا: هذا هو. اليابانيين بشكل عام لا يحبون المفاجآت. ويقومون بالتخطيط مسبقا لكل شيء بشكل ما ومن الصعب حملهم على تغيير خططهم بشكل مُباغت. فقد تقرر أن يلتقي نائب المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية بوفد من دولة عربية وتم السؤال عن لغة اللقاء فتم التأكيد للجانب الياباني على أنه لا مشكلة من أن يكون اللقاء باللغة الإنجليزية. فاستعد الرجل ووضع خطته وجهز نفسه تماما للقاء لمدة ساعة يكون بالتحاور المباشر دون وسيط ودون إضاعة نصف الوقت أو أكثر هباءً في الترجمة. ولكن عندما حدث اللقاء ووجد طلبا غير متوقعا باللجوء للترجمة أُسقط في يديه ولم يكن من النوع المرن لكي يتكيّف مع الوضع الجديد المطلوب فأصر على التحدث بالإنجليزية. ربما كان ذلك والله أعلم.

الجمعة، 25 نوفمبر، 2016

طرائف من المجتمع الياباني


تذكر الكاتبة البلجيكية إميلي نوثومب في روايتها "رهبة ورعدة" التي تدور أحداثها داخل شركة يابانية من كبريات الشركات في العالم، أن المجتمع الذكوري الياباني يقول للمرأة ما نصه: "زوجك لن يحبك إلا إذا كان أبلها، ولا سعادة لامرأة في أن يحبها أبله. على أية حال أن يحبك أو لا يحبك، فلن تشهدي منه ذلك. ففي الثانية بعد منتصف الليل، سيلتحق بك رجل مجهد، سكران في الغالب، ليتهالك على السرير ويغادره في السادسة صباحا دون أن يقول لك كلمة"
وسوف أترجم فيما يلي ملخص دراسة اجتماعية نُشرت على الإنترنت عن ظاهرة منتشرة بين الشباب الياباني من الذكور. الدراسة بعنوان "عشرة صفات في الزوجة تجعل زوجها يصاب بمتلازمة رفض العودة للبيت"
تقول الدراسة إن ظاهرة رفض الأزواج العودة لبيوتهم بعد انتهاء العمل في ازدياد مستمر وخاصة بين الشباب، فما أن ينتهي وقت العمل وهو الوقت الذي يفترض أن يسعد الرجل بالعودة إلى بيته، نرى الكثير من الأزواج يصاب باكتئاب من مجرد التفكير في ضرورة العودة للبيت فنجده يتجه بعد العمل إلى البارات أو مطاعم الوجبات السريعة (التي تسمح لنزلائها بالمكوث بها أوقاتا طويلة) أو دور السينما أو مقاهي الإنترنت ليقضي الوقت ثم يعود بعد أن يتأكد من أن كل أهل البيت قد ناموا. بل وفي أسوء الحالات هناك من يبات في فنادق الكبسولات ولا يعود لبيته لأيام طويلة. وتشرح الدراسة عشرة صفات للزوجة يُعتقد أنها هي سبب هذه الظاهرة.
الصفة رقم واحد هي الزوجة المتحكمة التي تكون الآمر الناهي في البيت. وتكون في الغالب امرأة محبة للكمال في كل شيء وتتحكم في كل سلوكيات زوجها وتعطيه تعليمات وإرشادات لكي يكون أفضل في كل نواحي حياته من مأكله لملبسه لكيفية صرف مصروف جيبه (أجل في العادة الزوجة اليابانية هي المتحكمة في ميزانية الأسرة وهي التي تعطي زوجها مصروفه الشهري أو اليومي)، في مثل هذا البيت لا يجد الرجل حرية في بيته وعودته له تعنى المعاناة.

الصفة رقم اثنين هي الزوجة التي تكره الهزيمة، هي التي لا ترى في زوجها شريكا يتعاون معها، بل تراه منافسا لها في كل شيء ولا يجب أن تُهزم أمامه. فكل حالة وكل موقف تحوله إلى صراع يجب أن تكون المنتصرة فيه. فعندما تختلف الآراء بينها وبين زوجها لا تستطيع أن تقول: "آها، هذا أيضا رأي جدير بالاعتبار" وتقبل به بل تفرض رأيها على زوجها أي كان وبكل وسيلة. الزوج الذي يخسر دائما في معارك اختلاف الرأي تلك يبدأ تدريجيا في تفادي زوجته وتفادي الحديث معها مخافة الخسارة مثل كل مرة.
الصفة رقم ثلاثة هي الزوجة التي لديها عقدة اضطهاد قوية. على العكس من الصفة السابقة الزوجة التي تحول نفسها إلى ضحية في كل حواراتها مع زوجها أيضا يجب الحذر منها. ففي كل لقاء مع زوجها تنهال عليه بالشكوى من أنه يضطهدها فهو يفرض عليها كل أعمال المنزل ولا يساعدها، بل ولا يسمع لها أو يهتم بها. ثم تجعل نفسها بطلة في دراما تراجيدية مأسوية، وتكون الطامة الكبرى قولها: "عندك حق، فأنا لست متعلمة ولا أملك خبرة عمل ولا أية خبرة، وأيضا غبية" عندها يفكر الزوج "وماذا عني أنا الذي اخترت مثل هذه المرأة كزوجة"، ويهرب من بيته هروبه من الجحيم.
صفة رقم أربعة هي الزوجة التي لا تستطيع التواصل، فالحوار والتواصل مع الشريك أحد أساسيات العلاقة الزوجية الصحية، فالزوجة التي لا تستطيع تبادل الحوار مع زوجها وتكتفي بأقل الكلمات تجعله لا يعرف فيما تفكر أو ما هي آراءها. المرأة التي يتحول وجهها إلى قناع خشبي من أقنعة مسرح النو، لا تجعل بيتها عشا زوجيا سعيدا يستريح فيه الزوج ويسعد بالعودة له.
صفة رقم خمسة هي الزوجة التي لا ترتب البيت، فالزوجة التي لا تنظف المنزل ولا تتخلص من القمامة ولا تغسل الأواني وتجعل بيتها عبارة عن "مزبلة"، بالتأكيد لا يسعد رجل بالعودة إلى بيت عبارة عن صندوق قمامة.
صفة رقم ستة الزوجة التي علاقتها بأطفالها أقوى من علاقتها بزوجها، عندما تكون علاقة الزوجة بأطفالها قوية إلى درجة عدم قدرة الزوج على الاندماج معهم هي علاقة غير صحية، لأن وقتها يحس الزوج (بسبب بعده عنهم أثناء النهار) أنه منبوذ وأنه لا يستطيع مشاركتهم أوقاتهم، خاصة عندما تنتقص الزوجة من زوجها أمام أطفالهما وتكيل له السباب، فعندها تنهار العلاقة بين الأب وأطفاله ربما إلى الأبد، ويبتعد تدريجيا عنهم.
صفة رقم سبعة الزوجة التي تمارس العنف ضد زوجها، تقول الدراسة إن العنف الأسري ليس فقط من الرجل تجاه المرأة. فيجب الحذر من أنه توجد سيدات يمارسن العنف ضد أزواجهن بركلهم أو إلقاء أشياء تجاههم أو على الأقل العنف اللفظي أو تجاهل وجود الزوج وعدم توجيه أي كلمة له دونا عن الجميع، أو فصل ملابسه وأدوات مائدته عن الباقي وعدم غسلهم، كل ذلك من وسائل العنف الأسري التي تمارسه الزوجة ضد زوجها.
صفة رقم ثمانية هي الزوجة التي تهتم كثيرا بعيون الناس، إنها الزوجة التي تقارن كل شيء وكل حال بالآخرين وتهتم أكثر من اللازم بما يقوله الناس عنها، وتغرق زوجها في دوامة المقارنة مع فلان الذي يستلم مرتبا أكبر منه أو علان ذو الدرجة العلمية الرفيعة إلى آخره مما يحدو بزوجها إلى تجنب الكلام أو التواصل معها من أجل الهرب من شعور الدونية التي تصبه عليه.
صفة رقم تسعة هي الزوجة البارزة بروزا يجعل زوجها يحس إنه لا ضرورة له. وتكون في الغالب زوجة عاملة مستقلة اقتصاديا ونفسيا ومعتمدة على نفسها بالكامل ولا تُظهر أي حاجة إلى زوجها. هذه الزوجة في الأغلب تقرر كل شيء بدون أي استشارة لزوجها بل وتقوم بالتنفيذ حتى دون إخطاره. هذه الزوجة تجعل زوجها يحس أن وجوده وعدم وجوده في البيت سيان، ويتجه إلى الهرب منه.
صفة رقم عشرة هي الزوجة المعتمدة على زوجها بشكل أكثر من اللازم وهي على العكس تماما من رقم تسعة فهي لا تستطيع عمل أي شيء ولا أخذ أي قرار مهما كان تافها دون الرجوع إلى زوجها. في البداية يسعد الزوج بذلك ويمارس دور الرجل القادر على إدارة البيت وتقرير مصيره ولكنه تدريجيا يصاب بالملل والكلل من ذلك ويصير الأمر ضغطا عصبيا عليه، ويقول في نفسه لماذا لا تستطيع القيام بمثل ذلك الأمر التافه، أو أخذ هذا القرار الذي لا تأثر له مطلقا. ويفر في النهاية تاركا الأمر كله.

ما رأيكم وما رأيكن؟ عزيزتي الزوجة لو فيك أربع من تلك الصفات فاعلمي أن زوجك على وشك الإصابة بمتلازمة رفض العودة للبيت والهروب منه، إن لم يكن مصابا بها بالفعل.

مصدر الكلام هنا: 
https://allabout.co.jp/gm/gc/420582/


الأربعاء، 2 نوفمبر، 2016

الفصل الأخير

كانت ماساكو تسير في ممر محطة شينجوكو. ولكنها لم تكن تعي أنها تسير، بل مجرد أن قدميها الاثنتين تدوسان الأرض بالتبادل. كانت الحركة في الممر قد تكونت طبيعيا بتيار الناس. وتلقائيا وجدت ماساكو نفسها منجرفة مع تيار الناس لتكتشف أنها أصبحت مجبرة على التوجه إلى خارج محطة شينجوكو.
خرجت من بوابة التذاكر، وفلتت من زحام الناس متجهة إلى مجمع المحلات تحت الأرض. انعكست صورتها على مرآة محل الأحذية. إنها انعكاس صورتها ذاتها وهي تضع نظارة شمس لكي تخفي تورم عينيها، وتجذب طرفي معطفها الثقيل الأماميين بحزم مخافة أن يتسرب ارتعاش قلبها للخارج. وقفت هناك وخلعت نظارة الشمس ونظرت إلى وجهها. خدها الذي لطمه "ساتاكيه" ما زال منتفخا ولكنه لم يكن بدرجة ملحوظة. ولكنكان تورم عيناها  خارج السيطرة. وسببه هو بكائها العنيف.
وضعت ماساكو نظارة الشمس مرة ثانية على عينيها. وكان أمامها مصعد مبنى المحطة. دخلت المصعد بدون أي تردد وضغطت على زر أعلى طابق في المبنى. لا يوجد مكان تلجأ إليه أي كان.
كان أعلى طابق في المبنى عبارة عن تجمع مطاعم. هنا تستطيع الجلوس لفترة بعيدا عن عيون الناس. جلست على أريكة بجوار الجدار ووضعت الحقيبة النايلون السوداء فوق ركبتيها. الحقيبة كان بداخلها الخمسين مليونا التي لساتاكيه إضافة إلى ملايينها الستة.
أخرجت ماساكو سيجارة ووضعتها في فمها. وتذكرت منظر ساتاكيه وهو يدخن السيجارة الأخيرة في حياته، وسبحت عيناها خلف النظارة الشمسية شاعرة بالوحدة. فجأة فقدت رغبتها في التدخين فألقت بالسيجارة المشتعلة في منفضة سجائر من الفولاذ كانت أمامها مباشرة. سقطت السيجارة في الماء الذي داخل المنفضة وأصدرت صوت طشطشة رقيق ثم انطفأت. كان ذلك الصوت يشبه قليلا صوت انطفاء سيجارة ساتاكيه التي سقطت من فمه في بركة الدماء.
حملت ماساكو التي صارت غير قادرة على تحمل وجودها هنا الحقيبة النايلون ووقفت. تأملت منطقة شينجوكو التي تظهر كاملة من خلال نافذة زجاجية كبيرة. يمتد حي كابوكيتشو على الجهة الأخرى من طريق ياسوكوني. وضعت إحدى يديها على النافذة وتأملت حي كابوكيتشو بكل مشاعرها. تبدو لمبات النيون ولوحات الإعلان المبهرجة التي لم تنر أضوائها بعد، شاحبة تحت أشعة الشمس التي ضعفت قليلا في وقت العصر من فصل الشتاء. كانت المدينة مثل وحش متكوّم في تكاسل الآن ولكنه على وشك الاستيقاظ، وإذا استيقظ فهو لا يُخفي توحّشه وعنفه وهو على وشك الانقضاض على فريسته. تلك هي مدينة ساتاكيه. المدينة الوقحة، الصاخبة، الممتلئة بالشهوات. بوابة ماساكو التي انفتحت منذ قرارها العمل في وردية المصنع الليلية، كانت تؤدي إلى مدينة ساتاكيه، التي لم يسبق لها أن داستها بقدمها من قبل.
جاء على بال ماساكو أن تذهب على الفور إلى حي كابوكيتشو وتلقي نظرة على المكان الذي كان به محل قمار ساتاكيه. ولكن هذه الفكرة جعلت مشاعر ماساكو المتنوعة تغلي وتهيج. لقد قضت ماساكو اليومين الماضيين مستلقية على سرير في فندق رخيص دون أن تضع في فمها أي طعام، عاد فجأة الحزن الكئيب وعدم الجدوى التي تحملتها وهي تتلوى بجسمها. ارتفعت صرخة صغيرة لماساكو تشبه التأوهات وهي تحس في أعمق أعماق جسدها بلمسات ساتاكيه الذي لن تستطيع لقائه ثانية. إنها تريد لقاء ساتاكيه مرة أخرى.
"لأذهب إلى تلك المدينة لكي أتنفس الهواء الذي تنفسه ساتاكيه، وأرى نفس المناظر التي رأها. ثم أبحث عن رجل يشبه ساتاكيه، عليّ أن ألاحق حلم ساتاكيه"
كان الأمل الذي فقدته ماساكو على وشك الميلاد داخلها من جديد.
ولكن ماساكو انقلبت على عقبيها فجأة، وأسرعت بالجري. كان صوت نعل حذاء ماساكو الرياضي، الذي يبدو مختلفا عن المكان ولا يتناسب مع عمرها، مزعجا للآذان ويتردد صداه بقوة عند لمسه لبلاط الأرضية التي تم تلميعه بالورنيش بعناية فائقة. توقفت ماساكو مندهشة من الصوت. ثم نظرت للخلف تجاه النافذة. للحظة أحست أنها ترى ظلام المصنع المهجور خارج النافذة.
قررت ماساكو التوقف عن ذلك.
لتمتنع عن الحياة وهي أسيرة لساتاكيه، كما كان ساتاكيه مقيدا بحلم الماضي. هذه المشاعر على الأرجح لا يستطيع حملها إلا شخصا نادر الوجود مثل ساتاكيه. ساتاكيه الذي كان لا يستطيع العودة للخلف ولا التقدم للأمام، لم يكن أمامه إلا الاستمرار في حفر قلبه. ليدفن فيه ماضيه والمرأة، وهنا يكمن حلم الرجل في رؤية حرية روحه.
إذا كان الأمر كذلك، ماذا عن حياتها فيما مضى؟ تأملت ماساكو أظافرها المقصوصة أزيد من اللازم. إنها لم تطل أظافرها ولو لمرة واحدة طوال سنتين بسبب عملها في مصنع الوجبات الجاهزة. ويديها التي تشققت وغلظت بسبب المطهرات المركزة. والعشرين عاما التي قضتها في العمل في بنك الائتمان. ووضعها لابنها وأداءها لشغل البيت وعيشها مع أسرتها. ماذا كانت تعني تلك السنين يا ترى؟ العلامات التي تركتها داخلها كانت هي ماساكو ذاتها بلا أي شك. لقد عاش ساتاكيه في حلم عديم الجدوى، في حين أنها عاشت الواقع بكل تفاصيله. انتبهت ماساكو إلى أن الحرية التي كانت تريدها هي، تختلف قليلا عن الحرية التي كان يتوق إليها ساتاكيه.

ضغطت بكل قوتها على زر المصعد. لقد قررت أن تشتري تذكرة طيران. إنها متأكد أن الحرية التي لها وحدها موجودة في مكان ما، حرية تختلف عن حرية ساتاكيه ويايوي ويوشيه. إذا أُغلق خلفها باب، فليس أمامها إلا أن تجد بابا جديدا تفتحه. بجوارها تماما يتردد صوت المصعد الصاعد إليها مشابها لصوت زمجرة الرياح.

الاثنين، 31 أكتوبر، 2016

شِعر رجل مزدوج الجنسية


شِعر رجل مزدوج الجنسية
تأليف: يوني نوغوتشي
ترجمة: ميسرة عفيفي

عندما يقرأ اليابانيون أشعاري يقولون:
"أشعارك اليابانية رديئة! ولكن ربما تكون أشعارك الإنجليزية رائعة!"
وعندما يقرأ الغربيون أشعاري يقولون:
"نحن لا نقدر على تكملة قراءة أشعارك الإنجليزية، ولكن من المؤكد أن أشعارك اليابانية عظيمة!"
وفي الواقع، لا توجد عندي أية ثقة لا في أشعاري اليابانية ولا في الإنجليزية.
فما أنا إلا مزدوج الجنسية ...
يا له من حزن أنك لا تستطيع أن تكون شخصا عظيما سواء يابانيا أو غربيا ...
مأساة عدم الاكتمال ...
يا لي من غبي! حتى ذلك القول قد فات أوانه
لأهرب من الموقف بالضحكات، لأهرب من الموقف بالضحكات!

『二重国籍者の詩』
ヨネ・ノグチ

日本人が僕の詩を読むと、
「日本語の詩はまずいね、だが英語の詩は上手だろうよ」といふ。
西洋人が僕の詩を読むと、
「英語の詩は読むに堪えない、然し日本語の詩は定めし立派だらう」と いふ。
実際をいふと、 僕は日本語にも英語にも自信が無い。
云わば僕は二重国籍者だ・・・・
日本人にも西洋人にも立派になりきれない悲しみ・・・・
不徹底の悲劇・・・・
馬鹿な、そんなことを云うにはもう時既に遅しだ。
笑ってのけろ、笑ってのけろ!

الخميس، 28 أبريل، 2016

ابن رشد واليابان - تأثير غير مباشر


ابن رشد واليابان

 

ميسرة عفيفي

 

تمثل العلاقة بين اليابان والثقافة العربية الإسلامية إحدى العجائب. فبرغم أن العرب نشروا الإسلام في ربوع الدنيا ووصلوا إلى أغلب أصقاع الأرض، حتى أنه توجد دراسات حديثة تشير إلى عبور المسلمين للمحيط الأطلنطي في وقت مبكّر وأن الهنود الحمر سكان الأمريكتين الأصليين كان بينهم مسلمين، وبالرغم من وصول الإسلام إلى الصين، وسيطرة المسلمين تماما على البحار في العصور الوسطى، بدليل أن من أرشد فاسكو داجاما وماجلان عبر البحار والمحيطات بحارة مسلمون، رغم كل ذلك لا يوجد أي ما يشير إلى وصول العرب أو المسلمين إلى اليابان قبل نهاية القرن التاسع عشر. ورغم أن طريق الحرير التي كانت تصل قلب العالم الإسلامي بشرق أسيا كانت محطتها النهائية هي مدينة كيوتو؛ عاصمة اليابان القديمة لأكثر من ألف عام، وكانت كيوتو أبرع الأماكن في صناعة الحرير الذي سُمِّيَت الطريق باسمه، ولكن يبدو أن الجزء الأخير من رحلة طريق الحرير كان يقتصر على العلاقة بين الصين واليابان. فيبدو أن التجار العرب والمسلمين لم يكونوا بحاجة إلى الذهاب بنفسهم إلى كيوتو أو أي من مدن اليابان، واستكشاف تلك الإمبراطورية الغامضة التي تضرب أصولها في عمق التاريخ لأكثر من ألفي عام، وتلك عجيبة من العجائب. فرغم حرص المسلمون الأوائل على الذهاب إلى آخر الدنيا لتبليغ رسالة الإسلام، إلا أنه لا يوجد أي ما يشير إلى وصولهم اليابان قبل العصر الحديث، ورغم أن المبشرين المسيحيين كانوا هم السباقين في الوصول إلى اليابان إلا أن حتى المسيحية لم تصل إلى اليابان إلا على يد المبشر البرتغالي فرانشيسكو دي خافيير في منتصف القرن السادس عشر ميلادي.

ولم يحقق دي خافيير أية نجاحات في التأثير على اليابانيين وجعلهم يتخلون عن ثقافتهم وأديانهم بل على العكس جعلت نجاحاته البسيطة الدولة اليابانية والحكومية العسكرية تقوم بحملة شعواء على الأجانب ومن تنصّر من اليابانيين وتبيدهم عن آخرهم، بل وقررت حكومة توكوغاوا العسكرية تطبيق سياسة انغلاق كاملة ومنع دخول وخروج البشر من وإلى اليابان على مدى ما يقرب من ثلاثة قرون لحماية نفسها من الغزو الفكري والثقافي. ولم تنفتح اليابان مرة أخرى على العالم إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وكان ذلك بعد إجبارها على الانفتاح بقوة السلاح؛ ممثلة في الأسطول الأمريكي الذي اقتحم موانئ اليابان وأجبرها عنوة على اتفاقية تبادل تجاري تمكن السفن الأمريكية من دخول اليابان.

القصد من هذا الشرح المبسط هو إيضاح أن تأثير العرب والمسلمين على اليابان كان منعدما تقريبا ولم يبدأ التلاقي إلا مع بداية عصر التحديث في اليابان بنهاية القرن التاسع عشر.

لذا فتأثير ابن رشد وغيره من العلماء والفلاسفة العرب والمسلمين على اليابان بدأ في مرحلة التحديث في اليابان بنهاية القرن التاسع عشر وخاصة من خلال الغرب.

ولقد بدأت الدراسات الخاصة بابن رشد مع البروفيسور تشيساتو تاناكا (1924 – 1998) الأستاذ بجامعة كينكي في غرب اليابان، والذي يعتبر أول وأشهر من بحث في فلسفة ابن رشد وقدمه للقارئ الياباني. فبعد تاريخ طويل من البحث أصدر البروفيسور تاناكا كتابه المميز "الثقافة الإسلامية وغرب أوروبا: دارسة في فكر ابن رشد" في عام 1991، وكان قبل ذلك قد نشر كتابه "نشر الدين والعلم - أوروبا في العصور الوسطى والشرق الإسلامي" عام 1962. وكذلك ترجم تاناكا كتاب "تهافت التهافت" الذي كتبه ابن رشد ردا على كتاب أبي حامد الغزالي "تهافت الفلاسفة"؛ وصدرت ترجمة الكتاب عام 1996 من دار نشر كينداي بونغيشا. ولكن الملاحظ أن تاناكا لم يكن يعرف اللغة العربية واعتمدت أبحاثه ودراسته على اللغات الأوروبية وخاصة اللاتينية والإنجليزية. ومما يذكر أيضا أن تاناكا كان مسيحيا بروتستانتيا، مثل أبيه، إلا أنه بعد تخصصه في فكر ابن رشد بدأ يتشكك في إيمانه المسيحي، ويتجادل كثيرا مع قسيس كنيسته حول عقيدة الثالوث ويقول له إنها غير مذكورة في الأناجيل المختلفة.

أما عن تأثير ابن رشد في المجال الأدبي؛ فيعتبر الروائي الياباني المعاصر كيئتشيرو هيرانو المولود عام 1975، أحد أبرز المتأثرين بابن رشد من أدباء اليابان. حيث اعتمد بشكل كبير على حقيقة وجود فكر ابن رشد والفلسفة الرشدية في أوروبا في العصور الوسطى في كتابة أولى روايته "الكسوف" التي نُشرت عام 1998 في اليابان وحازت على جائزة أكوتاغاوا المرموقة في عام 1999 (صدرت الترجمة العربية عن المركز القومي للترجمة بمصر في ديسمبر من عام 2015) وتدور أحداثها حول الصراع الفكري الذي كانت كتابات ابن رشد وغيره من الفلاسفة المسلمين أحد أسبابه، وتأثر أغلب فلاسفة ومفكري أوروبا بها ومنهم توماس الأكويني، الذي يتخذه بطل الرواية الراهب الكاثوليكي نيقولا قدوة له في محاولته إخضاع كتابات "الأغيار" وعِلْمهم للاهوت المسيحي بعد دحض ما بها من أفكار تتناقض مع الفكر المسيحي. ويحشد هيرانو في صلب روايته عددا كبيرا من الفلاسفة والعلماء الغربيين الذين تأثروا بالفكر والفلسفة الرشدية ويذكر كذلك بعض الكتب العربية التي تُرجمت للغات أوروبية خاصة اللاتينية ومن ضمنها كتب ابن رشد التي نقل فيها فلسفة أرسطو للغرب مع تعليقاته عليها.

يمثل هذان المثالان اللذين أوردناهما التأثير المباشر لابن رشد في الثقافة اليابانية وغنى عن الذكر أنه يوجد بشكل أكبر من هذا بكثير تأثير غير مباشر خاصة؛ غير الواعي منه، من خلال التأثر بالكتابات الغربية التي تأثرت بابن رشد وفكره وفلسفته.

يذكر كذلك أن أكثر فيلم عربي لقى إقبالا حين عُرض في قاعات السينما اليابانية هو فيلم "المصير" للمخرج المصري يوسف شاهين وعُرض تحت اسم ياباني هو "لهيب الأندلس"، ولا يخفى أن سبب نجاح الفيلم هو موضوعه وأنه يحكي حياة ابن رشد وفكره الفلسفي، وإن كان الفيلم يُطعّم ذلك بالموضوع الأكثر إلحاحا في العالم وهو علاقة الإسلام بالإرهاب ورفض اختطاف المجموعات الإرهابية للإسلام والتحدث باسمه.

 

السبت، 27 يونيو، 2015

انتحار الأدباء في اليابان ظاهرة محيرة

انتحار الأدباء في اليابان
ظاهرة محيرة

بقلم: ميسرة عفيفي

كنا في جلسة من جلسات جماعة إييداباشي الأدبية (التي دعا لإنشائها الأديب الشاب كيئتشيرو هيرانو عام 2012 وتتكون من نخبة من أفضل الأدباء الشبان في اليابان مع عدد من أساتذة الأدب في الجامعات اليابانية وعدد من مترجمي الأدب من لغات عدة)، فقال الروائي الشاب فومينوري ناكامورا فجأة: "لقد تخطيت الأديب ريونوسكيه أكوتاغاوا، وهدفي القادم هو تخطي الأديب أوسامو دازاي."
تعجّبنا جميعا من قوله هذا وجرائته في إعلان هذا الرأي، فرغم علمنا بموهبته وتميّزه الأدبي إلا أنه لا يوجد من يعتقد أنه يتخطى هذين العملاقين بهذه السهولة وحتى لو كان هو يعتقد أنه يتفوق عليهما، فلا يعقل أن يقول ذلك أمام أعضاء جماعة أدبية تضم عدد من أفضل أدباء اليابان الشباب بالإضافة إلى عدد من أساتذة الأدب في أعرق الجامعات اليابانية وكذلك عدد من مترجمي الأدب سواء يابانيين أو أجانب.
وعندما وجد ناكامورا الجميع قد أصابهم الوجم وظلوا حائرين في كيفية تقبّل هذا الرأي والرد عليه، ضحك في استمتاع وبدأ يشرح لنا ماذا يعني بكلامه. فقد كان ناكامورا المولود في الثاني من شهر سبتمبر عام 1977، قد بلغ السادسة والثلاثين من العمر عندما تحدث بهذا الحديث، وكان يعني أنه تخطى سن الخامسة والثلاثين التي انتحر فيها الأديب العملاق ريونوسكيه أكوتاغاوا، دون أن ينتحر مثله، وأنه حاليا يستمد الرغبة في الحياة من خلال الاعتقاد أنه ببلوغ سن التاسعة والثلاثين فأنه سيتخطى الأديب أوسامو دازاي الذي أقدم على الانتحار في عمر الثامنة والثلاثين. حتى لو كان التفوّق عليهما لا يعتدى الاستمرار في هذه الحياة دون الإقدام على الانتحار وإنهاء حياته بيده.
قلتُ له: "ولكن بعد أوسامو دازاي سيكون عليك الصبر مدة أطول حتى تستطيع تخطي يوكيو ميشيما الذي انتحر في الخامسة والأربعين من عمره، أليس كذلك؟" ضحك صديقي ناكامورا وقال: "حقا هو كذلك، ولكن يا لها من متعة ويا له من مجد لو استطعت التفوّق على ميشيما وتخطيه." وللعلم فهؤلاء الأدباء الثلاثة بالذات هم أول من يذكرهم ناكامورا من الأدباء الذين يحبهم وتأثر بهم خلال مسيرته الأدبية.
بالطبع كان الحديث من بدايته لنهايته مجرد مزاح من هذا الأديب الشاب، ولكن بسببه تطرق الحديث بعد ذلك إلى ظاهرة انتحار الأدباء والمشاهير في اليابان بكثرة لدرجة أن توجد صفحة ضخمة في موقع ويكيبيديا باللغة اليابانية عن المشاهير من الأدباء والفنانين والسياسيين ... إلخ، الذين أنهوا حياتهم بأيديهم، وتشكل ظاهرة ربما تنفرد بها اليابان خاصة في العصر الحديث. وربما يحبذ الرجوع إلى مقال كاتب هذه السطور الذي كتبه منذ سنوات بعنوان "اليابان وثقافة الانتحار" وهو متوفر على شبكة الإنترنت لمعرفة نظرة اليابانيين للانتحار. ولكن هذا المقال نخصصه لألقاء نظرة على هؤلاء المشاهير الذين سعوا للانتحار.
عند دراسة قائمة المنتحرين من مشاهير اليابانيين والذي بلغ عددهم حوالي خمسمئة شخص، أصغرهم هو ماسافومي أوكا الذي انتحر عام 1975 وهو في الثانية عشر من عمره وبعد موته نُشرت أعماله الشعرية تحت عنوان "أنا عمري 12 سنة"، وتحولت بعض قصائده إلى أغاني وتم تحويل محتوي الكتاب إلى مسلسل تلفزيوني. وأكبرهم سنا هو دانزو إيتشيكاوا ممثل الكابوكي الذي انتحر عام 1965 وهو في الرابعة والثمانين من العمر بعد اعتزاله، نجد عدة ملاحظات جديرة بالاهتمام منها: أولا نسبة عدد النساء المنتحرات قليل للغاية مقارنة بالرجال فعددهن لم يتجاوز نسبة 13% من المجموع الكلي للمنتحرين، فهل هذا يدل على قوة المرأة النفسية والمعنوية وتحملها لمتاعب هذه الحياة؟ وربما يكون السبب هو أن المرأة منبع الحياة وهي التي جعلها الله تعالي وعاءً لتلك الحياة وسبيل ميلادها، فهي بذلك تدرك أكثر من الرجل بكثير قيمة الحياة الإنسانية وقيمة الروح التي وهبها الله للبشر. ولكن هناك من يقول العكس، أي أن الانتحار في حد ذاته يحتاج إلى عزيمة قوية وإنه عمل يعتبر ثورة على الفطرة الإنسانية ولذا فهو قرار لا يقدر عليه إلا الرجل بحكم تركيبة عقله التي تنحو تجاه السيطرة على عواطفه وتحدي القيم والمعايير المتعارف عليها مجتمعيا وأخلاقيا ودينيا. والمرأة بحكم سيطرة العاطفة عليها فهي تفشل في النهاية في أخذ هذا القرار المصيري بإنهاء حياتها.
والملاحظة الثانية هي أنه مع تنوّع الوظائف التي يعمل بها هؤلاء المنتحرون المشاهير إلا أن النظر لهذه القائمة نجد طغيان نسبة عدد الأدباء والفنانين في القمة بنسبة حوالي 40% يليهم السياسيين والعسكريين ورجال الأعمال بنسبة حوالي 30% ليس بينهم امرأة واحد، وقلة عدد الرياضيين حيث شكلوا نسبة أقل من 6% وعدد النساء بينهم ثلاثة نساء فقط.
وهناك ملاحظة أخرى وهي وجود عائلات تكثر فيها حالات الانتحار، فمثلا الممثل هيرويوكي أوكيتا انتحر هو وأخوه الأكبر وأبوه وجده لأبيه، بالطبع كل في وقت مختلف.
الملاحظة الأخيرة هي أن أكثر وسيلة مستخدمة في الانتحار بين مشاهير المنتحرين في اليابان، هي شنق الرقبة بحبل، يليها القذف من مكان عالي الارتفاع، ثم الأسلحة النارية ويلي ذلك القذف أمام قطار مسرع، وأخيرا استخدام آلة حادة ومنها الهاراكيري.

أما الأدباء وهم هدف هذا المقال فتبلغ نسبتهم حوالي 10% من إجمالي عدد مشاهير المنتحرين في اليابان في العصر الحديث وحتى الآن (يبدأ العصر الحديث في اليابان من عصر الإمبراطور ميجي إمبراطور ثورة الإصلاح التي أنهت حكم الساموراي أو المحاربين الإقطاعيين وأسست حكومة حديثة على الطريقة الغربية، وكان ذلك في عام 1868 ميلادية). وهم يتوزعون بين أدباء وشعراء وصحافيين وكتاب، أصغرهم كما ذكرت انتحر وعمره 12 وهو ماسافومي أوكا، ولم يعرف سبب انتحاره حتى الآن.

لكن أول المنتحرين في العصر الحديث هو الشاعر والناقد والفيلسوف توكوكو كيتامورا واسمه الحقيقي مونتارو كيتامورا، ولد في مدينة أوداوارا بمحافظة كاناجاوا في العام الأول من عصر ميجي (1868) لأسرة عريقة من أسر الساموراي التي سقطت مع سقوط الحكومة العسكرية لأسرة توكوغاوا، فانتقل مع أبويه للعيش في طوكيو في منطقة سوكيا التي يقال إن الاسم الذي اتخذه له للكتابة (توكوكو) مأخوذ من اسم تلك المنطقة لكنه غيره من سوكيا إلى النطق الصيني توكوكو. وقد شارك كيتامورا في بداية حياته في حركة الحريات والحقوق المدنية ولكنه تركها بعد اكتشافه تكالب رجالها على السلطة ومحاولة فريق منهم التخطيط لسرقة أحد البنوك من أجل تمويل الحركة. وعندما بلغ التاسعة عشر من عمره تعمّد كمسيحي، وفي نفس العام تزوج من مينا إيشيزاكا. بعد تركه السياسة وتحوله لشاعر أصبح من رواد الحركة الرومانسية في اليابان وتأثر به كل الشعراء والأدباء الرومانسيون اليابانيون الذين جاءوا بعده. انتحر كيتامورا عام 1898 وهو في الخامسة والعشرين من عمره بشنق نفسه على شجرة في حدائق شيبا بوسط العاصمة طوكيو دون أن يُعرف سبب انتحاره.

ثم يأتي بعد ذلك الأديب ريونوسكيه أكوتاغاوا الذي انتحر عام 1927 وهو في عمر 35 عام، فقد ولد أكوتاغاوا في عام 1892 ودرس في جامعة طوكيو الإمبراطورية وتخرج في تخصص الأدب الإنجليزي. اشتهر بقصته القصيرة "راشومون" التي حولها المخرج الياباني الشهير أكيرا كوروساوا إلى فيلم سينمائي في عام 1950 بعد أن دمجها مع قصة أخرى لأكوتاغاوا وهي قصة "في غابة" أو "في علم الغيب" "yabu no naka" ويحصل الفيلم على الجائزة الذهبية لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي وجائزة الأوسكار التقديرية ليكون أول فيلم ياباني يصل إلى هذه الدرجة من العالمية ويكون سببا في شهرة كوروساوا في جميع أنحاء العالم.
لا يُعرف على الأرجح سبب انتحار أكوتاغاوا، غير ما قاله هو بسبب قلق غامض من المستقبل وكان قد حاول الانتحار في نفس العام مع سكرتيرته الخاصة ولكن فشل في تحقيق ذلك. بعد رحيله بثمان سنوات أسس صديقه الصدوق "كان كيكوتشي" صاحب مجلة "بونغيه شونجو" جائزة أدبية باسمه لتصبح أشهر جائزة أدبية في اليابان حاليا.

يأتي بعد أكوتاغاوا، الأديب أوسامو دازاي الذي انتحر بإلقاء نفسه في نهر تاماغاوا مع عشيقته. ولد دازاي في عام 1909 كابن لأحد أكابر ملاك الأراضي في محافظة أوموري شمال اليابان. بدأ دازاي محاولات انتحاره الكثيرة وهو في العشرين من عمره ببلع كمية من الأدوية المنوّمة، ولكنه فشل في الوصول إلى مراده، ثم حاول مرة ثانية في عام 1930 وهذه المرة مع حبيبة له في الثامنة عشر من العمر كانت تعمل عاملة في مقهى وذلك بالدخول إلى عمق المحيط في محافظة كاناغاوا، ولكنه ينجو من الموت بعد أن ماتت حبيبته غرقا. وبعد أن أصبح كاتب وبدأ نشر قصصه في المجلات الأدبية المشهورة حاول مرة ثالثة الانتحار بعد أن فشل في الحصول على وظيفة في جريدة مياكو أو العاصمة. بعد ذلك كرر محاولات الانتحار الفاشلة، ثم في عام 1948 رمي بنفسه في أعماق نهر تاماغاوا مع إحدى عشيقاته اسمها توميئه يامازاكي ليتم اكتشاف جثتيهما بعد ستة أيام.

يأتي بعد دازاي، الأديب الأريب ونابغة اليابان يوكيو ميشيما الذي انتحر في 25 نوفمبر من عام 1970 عندما توجه مع أربعة من أعضاء جماعته "جماعة الدرع" بزيهم العسكري إلى مقر قوات الدفاع الذاتي اليابانية في إيتشيغايا بوسط طوكيو بعد أن أخذوا موعدا مع القائد العام للقوات، وأثناء لقائهم مع القائد العام قام ميشيما ورفاقه بأخذه كرهينة، وطالبوا بجمع كل أفراد قوات الدفاع الذاتي الموجودين في المقر ليلقي عليهم ميشيما خطابه الذي أعده لهم لكي يحثهم على الثورة والانقلاب ضد الوضع الحالي وتغيير الدستور لكي يتم إعادة كل السلطات للإمبراطور ولكي تعود قوات الدفاع إلى ما كانت عليه من جيش قوي يحمي البلاد. ولكن لم يستطع ميشيما خلال عشرين دقيقة تقريبا من حديثه لهم من فوق شرفة غرفة القائد العام إقناع الجنود بأي شيء وسط تذمرهم وشوشرتهم على حديثه وعدم سماعهم لما يقوله بسبب عدم استخدامه مكبرا للصوت ووجود طائرات هيلوكوبتر تابعة لوسائل الإعلام تحوم فوق المكان. يئس ميشيما من الجنود فعاد إلى غرفة القائد العام لينهي حياته بنفسه بطريقة الهاراكيري المقدسة ببقر بطنه بخنجر صغير وليطير مساعده المخلص رأسه من على جسده في ذات اللحظة.


ثم ننهي قائمة الأدباء المنتحرين في اليابان بأديب نوبل ياسوناري كاواباتا، الذي وُجد في عام 1972 ميتا في غرفته بمدينة إيزو، ويعتقد أنه انتحر بالغاز وهو في الثانية والسبعين من عمره رغم وصوله إلى أعلى قمم الأدب العالمي وتتويجه بالجائزة الأدبية الأرفع في العالم. ولكنه لم يترك خطابا يدل على انتحاره كعادة المنتحرين اليابانيين الذين يترك رسالة للأحياء توضح انتحارهم وسببه.

الجمعة، 19 يونيو، 2015

هاروكي موراكامي يفتتح موقعا للتواصل مع قرائه والرد على أسئلتهم

هاروكي موراكامي يفتتح موقعا للتواصل مع قرائه والرد على أسئلتهم

ميسرة عفيفي

في السادس عشر من شهر يناير لهذا العام افتتحت شركة شينتشوشا للنشر موقعا إلكترونيا خاصا بالأديب الياباني العالمي هاروكي موراكامي (66 سنة) يقوم بالتواصل بشكل مباشر مع القراء من خلال الرد على أسئلتهم واستفساراتهم بل والرد كذلك على استشاراتهم عن الحياة وكيفية مواجهة ما يقابلهم من فشل أو معاناة أو مصاعب.
وخلال أربعة أيام وصل للموقع أكثر من 10,000 رسالة، زادت إلى 15,000 بعد أسبوع واحد من بداية الموقع. والجديد هو أسلوب هذا الأديب العالمي في الرد حيث يمزج الجد بالمزاح والفكر والفلسفة بالفن والرياضة وحياته الشخصية بمكانته الأدبية في خليط بديع يعبر عن عصارة حياة هذا الأديب الكبير.
فمثلا ردا على أحد القراء الذي كتب إنه ليس لديه سؤال محدد ولكنه عزم على استهدف أن يكون أول السائلين، لذا استغل انتهائه من الفصل الدراسي الأخير وجلس بالساعات أمام الحاسوب انتظارا لموعد توجيه الأسئلة بعد الإعلان عن افتتاح الموقع، رد عليه موراكامي "حظك سيئ يا مسكين! للأسف كنت رقم عشرين تقريبا، ولكن لا تحزن فهو رقم جيد على أي حال ويعتبر في المقدمة. تهنئتي لك بانتهاء الفصل الدراسي."
ولكن عندما يُسئل موراكامي عن جائزة نوبل للآداب ومشاعره وهو يُرشح لها كل عام تقريبا، يتكلم بمنتهى الجدية ويُعرب عن عدم سروره بذلك قائلا: "هذا الأمر يزعجني بشدة. لأن الترشيح لا يستند على أي أساس كأن يكون هناك قائمة معلنة طويلة أو قصيرة للمرشحين مثل ما يحدث في جوائز أخرى. ولكن الأمر لا يعدو إلا أن يكون استباق من الناشرين وحيلة رخيصة منهم لزيادة مبيعات الكتب فقط لا غير. وفي النهاية أنا لست فرس في سباق ليتراهن الناس على فوزي بالجائزة". وهنا تدخل قارئ آخر وقال لموراكامي إنه يشعر بمدى معاناته في تلك الأيام التي تسبق الإعلام عن الجائزة والأيام التي تليها، لدرجة أنه يتخيل موراكامي وهو يلعن اليوم الذي قرر فيه ألفرد نوبل تخصص جائزة من جوائزه للآداب، وتمنى لو اكتفى فقط بجوائز الطلب والعلوم إلخ، ثم اقترح عليه أن يعلن رفضه لقبول الجائزة حتى لو اختير لها ليريح نفسه من هذا العناء، وردا على هذا الرأي أعلن موراكامي رفضه للفكرة وقال إن سبب رفضه لذلك هو أنه يوجد في هذا العالم من لا يستطيع إصدار حكم على شيء أو شخص إلا بمقاييس مادية ملموسة مثل مقدار المبيعات أو الحصول على الجوائز، وإنه شخصيا لا يستطيع أن يمنع هذا التفكير عن الناس، رغم أن الأدب في أساسه هو محاولة لإيجاد مقاييس وقيم معنوية أكثر منها مادية ملموسة، وهذا هو أصل المشكلة، على حسب تعبير موراكامي.

مثلا إحدى المحبين له أرسلت له رجاء أن يختار لها اسما لمولودها الذي على وشك المجيء فهي لا ترى في بالها إلا اسم هاروكي وتريد منه أن يقترح لها اسما قريبا منه فيقول لها إنه لا يخطر على باله إلا اسم هاروكيتشي وهو اسم ربما يكون عتيقا من أسماء القدماء ولذا نصحها بعدم الاستماع إليه وتسمية الطفل اسما آخر تختاره هي ويكون اسما محبوبا.

وبالطبع لأن الإنترنت مجاله واسع ومفتوح على العالم أجمع فلم تقتصر الأسئلة على اللغة اليابانية فقط بل يوجد عدد من السائلين من غير اليابانيين الذين يسألون موراكامي باللغة الإنجليزية ويقوم بالرد عليهم باللغة الإنجليزية (موراكامي بدأ حياته الأدبية مترجما متخصصا في ترجمة الأدب الأمريكي إلى اللغة اليابانية). 
وهناك سؤال آخر باللغة الصينية التي تختلف تماما عن اللغة اليابانية وإن كانت الرموز التي يكتب بها قريبة إلا أن موراكامي اعتذر للسائل وقال له إنه لا يستطيع فهم اللغة الصينية ولا فهم ما يحاول قوله رغم فهمه لبعض الكلمات المكتوبة بالرموز الصينية.

وقد صدر موراكامي الموقع بتحية للقراء يخبرهم فيها أنه يقوم بقراءة رسائلهم وأسئلتهم بنفسه ويرد عليها بنفسه فلذا يعتذر لو تأخر في الرد ويشير إلى أنه سيرد على نفس السؤال المكرر مرة واحدة لشخص واحد فقط، ويطلب من القراء الرأفة بعينيه في أن يجعلوا أسئلتهم واضحة وجملها قصيرة بقدر الإمكان. 

الموقع مقسّم إلى أربع أقسام حسب نوع الأسئلة القسم الأول هو أسئلة أو استشارات موجهة لموراكامي كي يرد عليها، والنوع الثاني هو مجرد انطباع أو رأي للقراء يريد مشاركته مع موراكامي، النوع الثالث بعنوان مكان أحب ومكان أكرهه، أما النوع الأخير فهو يتعلق بهوايات موراكامي المشهورة وهي حبه للرياضة وخاصة البيسبول وفريق "ياكولت سوالوز" (Yakult Swallows) ورياضة الجري والماراثون، ثم حبه اللا متناهي للقطط وتربيتها.

وهذا هو رابط الموقع


هامش:
هاروكي موراكامي أشهر أديب ياباني على قيد الحياة ومن أوسع أدباء العالم انتشارا، ويقال إنه أكثر الأدباء قربا من الحصول على جائزة نوبل التي يرشح لها كل عام تقريبا في السنوات الأخيرة.. 
ولد موراكامي عام 1949 في مدينة كيوتو العتيقة ولكنه انتقل مبكرا للعيش في مدنية كوبيه القريبة منها مع والديه اللذين كانا يعملان في تدريس اللغة اليابانية في مدرسة أهلية متوسطة. وبتأثير منهما أصبح موراكامي محبا للقراءة يقضي أغلب وقته في التهام الكتب. دخل موراكامي في عام 1968 جامعة واسيدا الشهيرة التي تعتبر من أفضل الجامعات في اليابان، لدراسة الأدب ولكنه عمل أثناء دراسته في الجامعة كعامل بار في أحد نوادي موسيقى الجاز الليلية في طوكيو. ثم تزوج في عام 1971 من زميلة له في الدراسة وشاركها في امتلاك بار متخصص في موسيقى الجاز وهما مازالا يدرسان في الجامعة مما جعله لا يتخرج من الجامعة إلا في عام 1975 بعد قضاء سبع سنوات فيها، وهو أمر نادر في اليابان. يشتهر موراكامي في اليابان بكرهه للظهور في وسائل الإعلام وعدم حبه للحديث عن نفسه أو كشف حياته الشخصية للعامة من خلال وسائل الإعلام المختلفة. ويفسر موراكامي ذلك بقوله إنه أثناء عمله في البار، تحدث مع بشر عديدين أحاديث كثيرة للغاية تكفيه لبقية حياته. ولكن في مقابل ذلك يسهب موراكامي في الحديث لوسائل الإعلام الأجنبية، وينشط في تسويق نفسه عالميا..
بدأ موراكامي الكتابة الأدبية متأخرا نوعا ما، إذ أنه كان في الثلاثين من العمر عندما نُشر له أول عمل روائي وهو "استمع لأغنية الريح". ويقول موراكامي إنه فكر صدفة في كتابة الروايات أثناء مشاهدته لمباراة في لعبة البيسبول بملعب جينغوو القريب من البار الذي كان يملكه..
حقق موراكامي شهرته المدوية من خلال رواية "الغابة النرويجية" التي باعت في اليابان فقط ما يقرب من خمسة ملايين نسخة. ثم توالت أعماله الروائية التي ما أن تصدر حتى تتصدر قائمة المبيعات وتترجم للغات عدة من لغات العالم الحية.
أصدر موراكامي أحدث رواية له في شهر أبريل من عام 2013 باسم "تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه" (صدرت العام الماضي الترجمة الإنجليزية لها من دار كنوبف الأمريكية للنشر) وكما هي العادة في روايات موراكامي أثارت ضجة داخليا وعالميا إذ أنها في اليابان احتلت قائمة أفضل المبيعات لجميع أنواع الكتب في العام التي صدرت فيه رغم أنها صدرت في الشهر الرابع من العام، وترجمت حتى الآن إلى سبعة عشر لغة من لغات العالم المختلفة ولكنها لم تترجم حتى الآن للغة العربية.