السبت، 21 مارس، 2015

من الأرشيف مقالة كواليس اليابان

كواليس اليابان

بقلم : ميسرة عفيفي
قرأت مقالة الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت في جريدة "المصري اليوم" الصادرة يوم الأحد 21 ديسمبر 2008 بعنوان "هذه هي الكواليس ... سيدي الرئيس"، في هذا الرابط
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=191249&IssueID=1261
التي تحكي فيها عن المعاناة التي لاقتها هي وصغيرها "عمر" بسبب التشريفة المعتادة التي تصاحب السيد الرئيس وتُسبب في تعطل المرور وتوقف سير الطرق.
وطاب لي أن أنقل لكم موقفا كنت شاهدا عليه مع آخرين في تلك الدولة التي وصلت في تقدمها إلى مستويات مذهلة في فترة قياسية ألا وهي اليابان.

الإمبراطور في اليابان وحسب المعتقدات الدينية اليابانية سليل الآلهة، جده الأكبر هو حفيد إلهة الشمس التي خلقت الأرض وأرسلت حفيدها ليحكمها.
هكذا يؤمن اليابانيون في أساطيرهم. ولا زال هذا المعتقد يدرس حتى الآن في المدارس اليابانية. لذا فالإمبراطور وعائلته تعامل معاملة خاصة من الشعب الياباني تليق بسليل الآلهة من تبجيل واحترام وتوقير.
الإمبراطور الياباني بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية تخلى عن كل مناصبه السياسية هو وجميع أفراد عائلته، وأصبح وعائلته مجرد رمزا للأمة اليابانية وعنوانا للشعب الياباني.
كلمة "مجرد" التي كتبتها هي من وجهة نظرنا نحن الذين نبحث عن السلطة والقوة والهيلمان. ولكن من وجهة نظرهم "رمزا للشعب الياباني" هي فوق كل سلطة وكل منصب.
انحصرت مهام الإمبراطور في أشياء شرفية ورمزية، كأن يفتتح الدورة البرلمانية، أو يصدق على تعيين رئيس الوزراء والوزراء، وأن يقوم رئيس الوزراء والوزراء بإداء القسم أمامه، أو أن يقيم حفل غداء أو عشاء رسمي لرؤساء وملوك الدول الأجنبية الذين يزورون اليابان، أو يفتتح مشروعا ما، أو يزور مكانا ما .... إلخ من المهام الشرفية الكثيرة التي أوكلت له ولأفراد عائلته والتي تجعلهم جميعا في عمل دائم وحركة دائبة طوال أيام العام.

هذه كانت مقدمة عن وضع الإمبراطور في اليابان، ولكن قد يتصور أحدهم أن كون الإمبراطور ليس له سلطات فهو مُهمّش أو لا يأبه له. ولكن الحقيقة كما قلت لكم أن الإمبراطور يُعامل من عامة الشعب الياباني معاملة مقدسة هو وعائلته، ولا يُسمح المساس به أو بأفراد عائلته أبدا، وهو مقدس قدسية كاملة بناء على الاحترام الشعبي الذي يحظى به.

نأتي إلى تفاصيل الموقف الذي كنت شاهدا عليه. لقد حدث في 17 أكتوبر من عام 2007، حيث جرت مباراة في كرة القدم بين المنتخب الياباني بصفته بطل أسيا لعام 2005 والمنتخب المصري بصفته بطل أفريقيا لعام 2006 في مباراة سوبر بين البطلين يحصل الفائز فيها على كأس يُسمى "كأس التحدي".
كان المعلن أن تبدأ المباراة في الساعة السابعة والنصف مساءً بتوقيت اليابان، ولكن الحقيقة هي أن صفارة الحكم التي تعلن بدء المباراة تقرر لها أن تكون الساعة السابعة والدقيقة الثانية والثلاثون والسبب هو أن المباراة بالطبع مذاعة على الهواء مباشرة ويريد الراعي الرسمي للمباراة أن يستغل هاتين الدقيقتين في الإعلانات التلفزيونية حيث تكون نسبة المشاهدة وصلت ذروتها لأن الكل في انتظار صافرة البداية، وهذا كله تم الاتفاق عليه بين الفريقين والحكام وكل المعنيين في اليوم السابق للمباراة. وبالتالي توضع الدقيقة 32 كهدف أعلى للجميع لاستقبال صافرة البداية ويتم ترتيب كل شيء للوصول إلى تلك الذروة بدءً من وقت تحرك الفريق من الفندق، إلى وقت وصوله إلى الملعب إلى وقت خروج اللاعبين للإحماء، ثم عودتهم إلى حجرة خلع الملابس، ثم اصطفافهم مع الفريق المنافس للدخول إلى الملعب بمعية الحكام. هذا الكلام معروف عالميا وعاشه كل من له صلة باللعبة على أرض الواقع.
أين حدثت المشكلة؟ المشكلة هي أنه وكما هو الحال في مثل تلك المباريات الدولية، هناك تقليد يتم عادة أن ينزل كبار الزوار من المقصورة لتحية لاعبي الفريقين قبل بدء المباراة. وكان من المقرر في ذلك اليوم أن يقوم ثلاثة أفراد بتحية اللاعبين والسلام عليهم فردا فردا قبل البداية، وهم رئيس بعثة المنتخب المصري، ورئيس اتحاد الكرة الياباني، وأميرة من العائلة الإمبراطورية هي الأميرة تاكامادو الرئيس الشرفي لاتحاد الكرة الياباني، وفي نفس الوقت الرئيس الشرفي لجمعية الصداقة المصرية اليابانية.
بدأ الجو في كواليس الملعب يتكهرب قبل بداية المباراة بحوالي عشر دقائق. سألنا عن السبب، قالوا لنا إن الأميرة في الطريق إلى الاستاد ولكن ربما تتأخر عن الميعاد المقرر. سألنا عن السبب، فكانت الصدمة الكهربائية الأولى: "لأن الطريق مزدحم وإشارات المرور تعطل وصولها". طبعا أترك لكم تخيل ما وقع علينا نحن المصريون من صدمة واندهاش. فالأميرة سليلة الآلهة هي الآن في طريقها إلى عمل رسمي (وإن كان شرفي، ولكن هذا هو الحال مع كل تحركاتها) تقف في الإشارات ويُعطلها المرور المزدحم. لا يوجد شيء اسمه تشريفية ولا تعطيل كل الطرق والكباري والأنفاق العمومية والرئيسية والفرعية التي يُشتبه أن تمر بها.
ولكن الصدمة والموقف لم ينتهيا عند هذا الحد، فمن آخر اتصال بين المسؤولين عن المباراة وبين "موكب" الأميرة عرفنا أنها الآن تقف في آخر إشارة قبل الاستاد مباشرة ولا يتبقى لها سوى أن تدخل يمينا بعد الإشارة لتصل إلى باب الاستاد. فتم اتخاذ قرار بأن تتجه فورا إلى أرض الملعب لتقوم بتحية اللاعبين ثم بعد ذلك تتجه إلى المقصورة لتحيي كبار الضيوف الآخرين. ولذا اتجه رئيس بعثة المنتخب المصري الكابتن أحمد شاكر، ورئيس الاتحاد الياباني من المقصورة إلى أرض الملعب لينضما إليها عند دخولها من الباب ويقوم ثلاثتهم بإداء هذا الدور الشرفي الذي جاءت من أجله الأميرة.
ولكن بعد وصولنا إلى أرض الملعب عرفنا أنه تم اتخذ قرار بإلغاء مشاركة الأميرة في مراسم تحية اللاعبين وذهابها مباشرة إلى المقصورة.
والسبب هو أن عند الدخول يمينا بعد فتح الإشارة (والسيارات في اليابان تسير على اليسار) لابد أن تنتظر حتى تنتهي السيارات المقابلة من المرور ثم المارة أيضا لتستطيع أن تدخل إلى اليمين، وهذا سوف يستغرق دقيقتين لأن عدد المارة هذا اليوم كبيرا بسبب المباراة. ومن المستحيل أن تتأخر صافرة البداية لأي سبب كان، أو على الأقل لهذا السبب، الذي لا يمكن شرحه للجمهور المنتظر في المدرجات ولا لبقية الشعب المنتظر أمام التلفزيون، ولا يمكن شرحه أيضا للراعي الرسمي ولا للمعلنين الذين دفعوا مبالغ خرافية للإعلان عن منتجاتهم قبل وأثناء وبعد المباراة.
وبهذا لم تستطيع الأميرة القيام بأهم شيء جاءت من أجله وهو تحية لاعبي الفريقين قبل بداية المباراة، واكتفت بأن شاهدت المباراة مع كبار الضيوف من المقصورة.
طبعا نحن المصريون الذين شاهدنا ذلك كنا في حالة صدمة خرافية. أنا شخصيا الذي أعرف المدى الذي وصله اليابانيون في تقديس واحترام الوقت لم أتخيل أن يصل الأمر إلى إلغاء دور الأميرة والاكتفاء برئيس البعثة المصرية الكابتن أحمد شاكر ورئيس الاتحاد الياباني الكابتن سابورو كاوابوتشي ليقوما بتحية اللاعبين والحكام قبل المباراة. وكأنهم قد عاقبوا الأميرة لتأخرها عن موعدها. ومما لا أشك فيه أن هناك سببا لهذا التأخير ليس للأميرة دخل فيه، ولكن أي كان السبب فلن يتقبله الشعب الياباني الذي يقدس الوقت واحترام المواعيد أكثر من تقديسه للعائلة الإمبراطورية، ولهذا فمن الأفضل ألا تقوم الأميرة بمراسم تحية اللاعبين ولن يحس أحد بغيابها لأن ذلك لا يعلمه إلا عددا محدودا جدا، من أن يتم تأخير بداية المباراة ويعلم الجمهور والشعب أن السبب كان تأخر الأميرة عن موعدها، وتهتز بذلك صورة العائلة الإلهية المقدسة.
ربما يتعقد البعض أن هذا مثال مبالغ فيه، ولكنه الواقع الذي كنت مع آخرين شاهدا عليه. وربما أقول لكم قولا آخر أردده على من يأتي هنا إلى اليابان من المصريين والعرب، وهو أن الإمبراطور الذي كان حتى عام 1945 إلها كاملا في اليابان، وأصبح الآن إلها منزوع السلطات، الإمبراطور الإله هذا يدفع الضرائب مثله مثل عامة شعبه، ولا يجرؤ أحد في اليابان مهما علا شأنه أن يُعفى من دفع الضرائب، أو أن يطالب باستثناء ما عن بقية خلق الله اليابانيين.

ولله في خلقه شؤون




الأربعاء، 18 مارس، 2015

دراسة عن ترجمة ريتشارد بيرتون لحكايات "ألف ليلة وليلة"


دراسة عن ترجمة ريتشارد بيرتون لحكايات "ألف ليلة وليلة"

 

تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا

 

ترجمة: ميسرة عفيفي

 

(من المعروف أن حكايات ألف ليلة وليلة أثرت على أغلب الآداب العالمية، ووصل تأثيرها هذا لليابان حيث تأثر بها أدباء اليابان الذين ظهروا بعد عصر النهضة اليابانية الحديثة في عصر ميجي وما بعد عصر ميجي. وهناك دراسات يابانية عديدة عن مدى تأثير الليالي العربية في الأدب الياباني منها على سبيل المثال كتاب "اليابانيون والليالي العربية" من تأليف الياباني هيديأكي سوغيتا الأستاذ بكلية الدراسات العليا جامعة طوكيو القومية، وتوجد كذلك دراسة للباحثة المصرية نجلاء فتحي حافظ المدرسة في أكاديمية الفنون عن أثر ألف ليلة وليلة في المسرح الياباني المعاصر.

هنا الأديب الياباني الشهير ريونوسكيه أكوتاغاوا (1892~1927) يقدم دراسة عن إحدى ترجمات ألف ليلة وليلة للغة الإنجليزية وهي ترجمة ريتشارد بيرتون الشهيرة. مما يذكر أن أكوتاغاوا درس الأدب الإنجليزي وتخرج عام 1916م من جامعة طوكيو الإمبراطورية كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية. / المترجم)

 

1

 

تعتبر ترجمة ريتشارد بيرتون Richard Burton لحكايات "ألف ليلة وليلة" هي أقرب ترجمة إنجليزية للكمال ظهرت حتى الآن لليالي العربية. لقد  ظهرت بالطبع ترجمات عديدة لليالي قبل ترجمة بيرتون لدرجة عدم وجود الوقت الكافي لذكرها واحدة بعد أخرى، في البداية أول ترجمة ظهرت في أوروبا للتعريف بحكايات "ألف ليلة وليلة"، هي ترجمة البروفيسور أنطون غالان للغة الفرنسية Antoine Galland عام 1704. ولكنها بالطبع لم تكن ترجمة كاملة. بل كانت مجرد ترجمة مختصرة جدا لا تشفي غليل محبي القراءة. بعد غالان لم يعدم الأمر وجود ترجمات أخرى في متناول يد القراء، على سبيل المثال ترجمة فوستر Foster وترجمة بوسيهBussey. ولكن كانت كلها لا تتخطى مستوى كتب الأطفال، وتطغى عليها رائحة اللغة الفرنسية سواء على مستوى الترجمة أو اختيار الكلمات.

إذا ألقينا نظرة على المترجمين بعد قرن من عصر البروفيسور جالان، أي بعد عام 1800، فهم على الأغلب كما يلي:

1-    د. جوناثان سكوت (Dr. Jonathan Scott) عام 1800

2-    إدوارد ورتلي (Edward Wortley) عام 1811

3-    هنري تورنز (Henry Torrens) عام 1838

4-    إدوارد وليم لين (Edward William Lane) عام 1839

5-    جون پين (John Pane) عام 1885

ترجمة تورنز لا تفوح منها الرائحة الإنجليزية أو الفرنسية مثل سابقيها، ومن هذه النقطة فهي تمثل خطوة إلى الأمام، ولكن المترجم لم يكن ضليعا باللغة الأصلية المُتَرجَم عنها، فللأسف الشديد لم يصل إلى الدرجة المأمولة منه لأنه لم يكن لديه أي معرفة بلهجات مصر وسورية بصفة خاصة. بل ويجب الأسى بشدة كذلك على توقفه عند ما يمثل واحد على عشرة من إجمالي النص الأصلي.

ترجمة لين – وهي أكثر الترجمات انتشارا في اليابان. خاصة إصدار دار بونBohn للنشر، المكون من مجلدين، يكثر وجوده في مكتبات بيع الكتب القديمة في منطقتي هونغو وكاندا – اعتمدت على طبعة بولاق Bulak التي هي أصلا بها اختصارات كثيرة، وعلاوة على ذلك ليس بها إلا ترجمة مئة حكاية من أصل مئتين، رغم أنه يوجد على العكس حكايات أكثر إمتاعا في الحكايات التي لم تترجم، وللأسف بالغ النص المترجم في فخامة اللغة، فهو وإن كان يناسب توجيهه إلى المجتمع المخملي، إلا أنه يسبب شعورا لا حد له بعدم الاكتفاء. جعل لين كل ليلة فصل مستقل بذاته، ولكنه وضع أحد الفصول في الهامش خطأ، علاوة على ترجمته للشعر في صيغة نثرية أو إهمال ترجمته تماما، وفي النهاية أخطاء الترجمة الشنيعة أكثر مما تُحتمل.

تأتي بعد ذلك ترجمة پين – پين هو الذي ترجم أشعار فرانسوا فيون François Villon إلى اللغة الإنجليزية – لحكايات "ألف ليلة وليلة" في منتهى الجودة مقارنة بالذي سبقها من ترجمات. عدد الحكايات أربعة أضعاف ترجمة غالان، وثلاثة أضعاف الترجمات الأخرى، ولكن ليس معنى ذلك أنها تخلو من العيوب. ولكن على كل حال فالترجمة رائعة، ولكن لم يطبع پين منها إلا خمسمئة نسخة فقط على نفقته الخاصة، ولذا فهي تدخل في نهاية الأمر في عداد الطبعات النادرة. ولكن الشيء الوحيد الذي يجب كتابته هو، أنه في مقدمة الطبعة يوجد إهداء إلى ريتشارد بيرتون.

ترجمة بيرتون هي كذلك طبعة محدودة بعدد ألف نسخة فقط، ومن الصعب الحصول عليها. كان سعرها وقت نشرها عشرة جنيهات، ولكن وصول سعرها في السوق اليوم داخليا وخارجيا إلى ثلاثون جنيها، يجعل محبي قراءة "حكايات ألف ليلة وليلة" مساكين بشكل ما. وتصدر طبعات مقرصنة (Pirate Edition) من ترجمة بيرتون هذه في أمريكا بشكل متواصل، ولكن لا أحد يعلم عن محتواها شيئا.

كُتب على غلاف ترجمة بيرتون ما يلي:

A PLAIN AND LITERAL TRANSLATION OF THE ARABIAN NIGHTS ENTERTAINMENTS, NOW ENTITLED THE BOOK OF THE THOUSAND NIGHTS AND A NIGHT WITH INTRODUCTION EXPLANATORY NOTES ON THE MANNERS AND CUSTOMS OF MOSLEM MEN AND A TERMINAL ESSAY UPON THE HISTORY OF THE NIGHTS BY RICHARD F. BURTON.

"ترجمة واضحة وحرفية لحكايات الليالي العربية، الآن كتاب ألف ليلة وليلة مع مقدمة وافية وملاحظات تشرح عادات وتقاليد الرجال المسلمين ومقالة علمية حول تاريخ الليالي بقلم ريتشارد ف. بيرتون."

وصل عدد مجلدات ترجمة بيرتون إلى ثمانية عشر مجلد بما فيها الملاحق والهوامش، واسم دار النشر "بيرتون كلوب"، وتم نشرها بين عامي 1885 و1888.

والآن سأنتقل إلى الحديث بالتفصيل عن المترجم ريتشارد بيرتون وترجمته لليالي.

 

2

 

كان المترجم ريتشارد بيرتون ضابطا (lieutenant) في الجيش البريطاني ترحل في العديد من بلاد الشرق، ولكن لو جعلنا محور حديثنا هو ترجمة الليالي، يذكر بيرتون تفاصيل قيامه بترجمة الليالي في المجلد الأول ضمن عنوان "مقدمة المترجم"، وفي المجلد الحادي عشر، تحت عنوان "سيرة حكايات ألف ليلة وليلة ونقد ناقديها".

بداية يذكر ريتشارد بيرتون أن السبب الذي جعله يقوم بترجمة ألف ليلة وليلة، هو سفره إلى مكة والمدينة برفقة الطبيب جون شتاينهوزر (Steinhäuser) الذي كان يقيم وقتها في عدن، ويمكن لنا معرفة الحوار الذي دار بينهما أثناء السفر بالنظر إلى الإهداء الذي كتبه بيرتون لشتاينهوزر في المجلد الأول. كانت تلك الرحلة في شتاء عام 1852، وتحدث الاثنان كثيرا عن المنطقة العربية، ثم انتقل الحديث تلقائيا إلى "حكايات ألف ليلة وليلة"، وفي النهاية أعربا عن حزنهما لعدم الاعتراف بقيمة "حكايات ألف ليلة وليلة" الحقيقة إلا بين عدد قليل من علماء اللغة العربية، رغم أنها معروفة بشكل واسع حتى بين الأطفال. وتقدم الحديث بينهما خطوة للأمام وانتهى إلى رغبتهما في إخراج ترجمة مكتملة لليالي بأي شكل كان، وافتراق الاثنان بعد أن أخذا قرارا بأن يتولى شتاينهوزر ترجمة النثر على أن تكون مهمة بيرتون ترجمة الشعر. وبعد ذلك تبادل الاثنان الرسائل لشد أزر بعضهما البعض، ولكن لشدة الأسى بعد وقت قصير سقط شتاينهوزر صريع جلطة دماغية في مدينة برن بسويسرا. ثم فُقدت مسودات ترجمة شتاينهوزر ولم يحصل بيرتون منها إلا على أقل القليل. وبعد ذلك ظل بيرتون يقوم بالترجمة أثناء تنقله في عمله ما بين غرب أفريقيا وأمريكا الجنوبية. وتعبر كلماته التالية بحق عن شعوره أثناء ذلك: "أنا لا أهتم برأي الآخرين مهما كان، ولكن ذلك العمل كان بالنسبة لي هو منبع الرضا والسلوان أكثر من أي شيء آخر".

وهكذا بعد أن أنهى بيرتون كتابة المسودة، بدأ في العمل على طبعها وتحويلها لكتاب بداية من ربيع عام 1879، ولكن في شتاء عام 1882، ظهر إعلان في إحدى المجلات عن قرب صدور ترجمة جون پين. وعلم بيرتون بذلك في ذات اللحظة التي كان فيها على وشك الرحيل إلى ساحل الذهب بغرب أفريقيا في حملة عسكرية. وهنا أرسل بيرتون خطابا إلى پين قال له فيه: "أنا أيضا كنت أخطط مثلك للقيام بالعمل نفسه، ولكن انتهاءك بالفعل من ذلك، يجعل من واجبي أن أتنازل لك عن شرف الريادة" إلخ. وفي أثناء ذلك صدرت ترجمة پين. وتوقف بيرتون عن العمل في ترجمته لفترة من الوقت.

تابع بيرتون حديثه بما يلي: " لا أحد يعلم إلى أي مدى كانت حكايات ألف ليلة وليلة تلك تواسيني أثناء قضاء فترة شهرين في مدينة زيلع بشرق أفريقيا، وأيضا أثناء التنقل في بلاد الصومال طولا وعرضا." وبهذا كانت ترجمة بيرتون لحكايات "ألف ليلة وليلة" تلك، قد بعدت كثيرا عن أوروبا، بل وولدت في وسط الأمطار والدخان والأعاصير وربما تكون أفضل مقارنة لها هي لوحات غوغان التي رسمها في تاهيتي.

في عام 1884 وأثناء وجود بيرتون في مدينة ترييستي، أرسل المجلدين الأول والثاني إلى المطبعة.

وكانت القضية هنا، هي كم عدد النسخ التي يقوم بطبعها. قال له أحد العلماء: "من الأفضل أن يتراوح عدد النسخ بين مئة وخمسين ومئتين نسخة." كان ذلك العالم قد طبع من كتبه مئة وستين ألف نسخة تراوحت بين كتب رخيصة السعر بثمن ستة شلنات، وكتب قيمة بثمن ستون جنيها. وكذلك قال له أحد الناشرين: "إن عدد خمسمئة نسخة سيكون عددا جيدا." ولكن صديق لبيرتون ليس له أية علاقة بالنشر حثه على طبع ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف نسخة. وقرر بيرتون بعد معاناة في التفكير طباعة ألف نسخة.

وبعد ذلك قام بيرتون بإعداد قائمة بأسماء من يتوقع أن يشتروا منه الترجمة بغض النظر عن كونهم معارف له أو أصدقاء أم لا، وأرسل إليهم إعلانا بصدور الترجمة. وكان ملخص هذا الإعلان هو أن الشراء للعشر مجلدات كاملة بسعر جنيها واحدا لكل مجلد وكانت الشروط أن يكون الدفع عند الاستلام وأنه لن يصدر طبعات رخيصة السعر، وتقتصر الطباعة على ألف نسخة فقط يتم الانتهاء من طبعها وبيعها خلال ثمانية عشر شهرا. وكان عدد الإعلانات التي وزعها بيرتون أربعة وعشرون ألف نسخة وتكلفت مئة وعشرون جنيها. وجاءه رد من 800 شخص.

في العام التالي عاد بيرتون إلى بريطانيا، وبدأ سريعا العمل في إجراءات النشر. وفي النهاية وصل عدد راغبي الشراء إلى ألفين شخص بعد أن كان 800. ووسط تلك الردود كان أحيانا ما يوجد من لا يرغب في الشراء لكنه يقول: "أريدُ أن أبدأ أولا بالمجلد الأول وإذا نال إعجابي أشتري باقي المجلدات."

كان رد بيرتون على ذلك هو: "أولا الحجز يكون بإرسال عشرة جنيهات وبعد ذلك لك حرية حجز مجلد واحد أو عشرة مجلدات." وبعد ذلك بدأ تجار الكتب محاولاتهم لتخفيض السعر. وأيضا وجد حوالي عشرون شخصا حصلوا على الترجمة ولم يدفعوا ثمنها."

في البداية لم يلتفت بيرتون إلى التجار الوسطاء وأقدم على المخاطرة بطبع الترجمة وتوزيعها بنفسه. وكان يرغب في الحصول على دعم وتشجيع من مشاهير الأدباء والجمعيات الأدبية، ولكن لم يشجعه أحد. بل وجد من سخر من خطته تلك وهو يقول: "تايمز للطباعة!". ووصل الأمر إلى وجود من قال: "فيما يتعلق بصنيع بيرتون هذا، لا يوجد اسم من قام بترجمة هذا العمل كما هو المفروض أن يكون. ولو كان خطأ من الناشر، فلابد من معاقبته بالغرامة. بالإضافة إلى أن الترجمة الكاملة لحكايات ألف ليلة وليلة يصعب السماح بها أخلاقيا. فحتى لو كان النشر على حسابه الخاص، فإذا وجد خوف من خرق الآداب العامة والأخلاق، يجب معاقبة بيرتون بتوقيع الغرامة عليه." رد بيرتون على هذا التحدي بالقول: "إن الناشر هو نفسه المؤلف، وترك مسؤولية نشر كل أنواع الكتب للناشرين المحترفين فقط أمر غير مقبول. لقد قمت بالنشر بنفسي من أجل علماء ودارسي اللغات الشرقية والآثار والتاريخ."

 

3

 

يوجد وسط ترجمة بيرتون التي وصلت إلى سبعة عشر مجلدا، سبعة مجلدات عبارة عن ملاحق وهوامش. وفي نهاية المجلد العاشر وضع "Terminal Essay" قدم فيه بالتفصيل دراسة عن أصل ألف ليلة وليلة وعادات العرب، وتاريخ ترجمة الليالي إلى اللغات الأوروبية. ويعتبر الجزء الخاص بالعادات العربية والشرقية بحثا في غاية الأهمية للمتخصصين، وحتى غير المتخصصين يجدون فيه متعة لا نهائية.

لم يقسم بيرتون ترجمته حسب الحكايات ولكن تركها مثل الأصل مقسمة حسب الليالي. وكذلك الشعر لم يحوّله لنثر بل ترجمه في صياغة شعرية. ومن خلال ذلك نرى إلى أي درجة كان بيرتون مخلصا للنص الأصلي.

مثلا توجد أوصاف للعرب مترجمة كما هي بشكل في غاية المتعة والتشويق. وأحد هذه الأمثلة هو وصف العربي لضم الرجل للمرأة بما يلي:

"التحما معا مثل التحام زر الثوب وثقبه"

وكذلك الجُمل التي تصف حدائق القصور في بغداد، في غاية الدقة والتفصيل وكأنك ترى بالفعل تلك الحدائق أمام عينيك. وأحد هذه الأمثلة هو وصف قصر هارون الرشيد في أحداث الليلة السادسة والثلاثون (المجلد الثاني).

وأيضا لأن بيرتون لم يكن يعبأ بالتزمت الأخلاقي المسيحي الذي كان منتشرا وقتها في أوروبا وكان من الناس الذين يؤمنون بمذهب المتعة الصريح والجريء الذي ينتهجه الشرق، وبالتالي فقد كانت ترجمته لحكايات ألف ليلة وليلة لها اتجاها مختلفا تمام الاختلاف عما سبقها من ترجمات. على سبيل المثال الملكة بدور في الليلة 215 (المجلد الثالث) تغني أبيات الشعر التالية:

The penis smooth and round was made with anus best to match it,

Had it been made for cunnus' sake it had been formed like hatchet!

لكن إذا تحدثنا عامة، فالأمور التي بها "خلاعة" كان يترجمها كما هي في الأصل المكتوب بجراءة وبراءة فطرية، ولذا لا يعطي ذلك إحساسا بالمجون، مثل مشاهد الحب (Love scene) التي تظهر في الروايات المعاصرة.

أما الهوامش فهي دقيقة ومفصلة. وليست على نمط واحد كما جرت العادة، بل هي هوامش على درجة عالية من الدقة التي كان عليها بيرتون. فهي لم تكن مجرد شرح للكلمات، ولكن وصل بعضها في الحقيقة إلى درجة البحث العلمي. على سبيل المثال عندما نقرأ الهامش الذي كتبه على واقعة خيانة زوجة الملك شهريار له مع عبد أسود، يقول بيرتون: "اتجاه النساء العربيات إلى استقبال الرجال السود، سببه أن قضيب الرجل العربي أصغر من الأوروبي. وأن قضيب الرجل الأسود أكبر من الأوروبي. علاوة على أن معدل مرات انتصاب الرجل الأسود قليلة ولكن مدته (duration) طويلة. ولذا كانت النساء العربيات يقعن في بئر الخيانة مع العبيد السود."

بل ويذكر بيرتون أنه قام بنفسه بقياس قضيب عدد من الرجال السود وذكر متوسط الطول بالبوصة.

(دراسة لم تكتمل)

(بتاريخ شهر يوليو من العام الثالث عشر من عصر تايشو الموافق لعام 1924م)

 

 

النص الياباني في الرابط التالي
http://www.aozora.gr.jp/cards/000879/files/3768_27364.html
 

السبت، 14 مارس، 2015

فومينوري ناكامورا وأبطاله الخارجين على القانون

فومينوري ناكامورا
وأبطاله الخارجين على القانون

ميسرة عفيفي

في إحدى الجلسات الدورية لجماعة إييداباشي الأدبية قال الروائي الشاب فومينوري ناكامورا فجأة: "لقد تخطيت الأديب ريونوسكيه أكوتاغاوا، وهدفي القادم هو تخطي الأديب أوسامو دازاي."
تعجّبنا جميعا من قوله هذا وجراءته في إعلان هذا الرأي، فرغم علمنا بموهبته وتميّزه الأدبي إلا أنه لا يوجد من يعتقد أنه يتخطى هذين العملاقين بهذه السهولة وحتى لو كان هو يعتقد أنه يتفوق عليهما، فلا يعقل أن يقول ذلك أمام أعضاء جماعة أدبية تضم عدد من أفضل أدباء اليابان الشباب بالإضافة إلى عدد من أساتذة الأدب في أعرق الجامعات اليابانية وكذلك عدد من مترجمي الأدب سواء يابانيين أو أجانب.
وعندما وجد ناكامورا الجميع قد أصابهم الوجم وظلوا حائرين في كيفية تقبّل هذا الرأي والرد عليه، ضحك في استمتاع وبدأ يشرح لنا ماذا يعني بكلامه. فقد كان ناكامورا المولود في الثاني من شهر سبتمبر عام 1977، قد بلغ السادسة والثلاثين من العمر عندما تحدث بهذا الحديث، وكان يعني أنه تخطى سن الخامسة والثلاثين التي انتحر فيها الأديب العملاق ريونوسكيه أكوتاغاوا، دون أن ينتحر مثله، وأنه حاليا يستمد الرغبة في الحياة من خلال الاعتقاد أنه ببلوغ سن التاسعة والثلاثين فأنه سيتخطى الأديب أوسامو دازاي الذي أقدم على الانتحار في عمر الثامنة والثلاثين. حتى لو كان التفوّق عليهما لا يعتدى الاستمرار في هذه الحياة دون الإقدام على الانتحار وإنهاء حياته بيده.
قلتُ له: "ولكن بعد أوسامو دازاي سيكون عليك الصبر مدة أطول حتى تستطيع تخطي يوكيو ميشيما الذي انتحر في الخامسة والأربعين من عمره، أليس كذلك؟" ضحك صديقي ناكامورا وقال: "حقا هو كذلك، ولكن يا لها من متعة ويا له من مجد لو استطعت التفوّق على ميشيما وتخطيه." وللعلم فهؤلاء الأدباء الثلاثة بالذات هم أول من يذكرهم ناكامورا من الأدباء الذين يحبهم وتأثر بهم خلال مسيرته الأدبية.
بدأ نجم فومينوري ناكامورا يلمع في سماء الأدب الياباني حتى وصل صيته إلى الولايات المتحدة الأمريكية فحصل هناك على جائزة ديفيد غوديز (David Goodis) لعام 2014 عن مجمل أعماله وإسهاماته في أدب الإثارة والتشويق أو ما يُسمى (roman noir)، بعد أن حصد هنا في اليابان أغلب الجوائز الأدبية الكبيرة بداية من جائزة شينتشوشا للعمل الأول عن روايته "السلاح"، ثم جائزة نوما الأدبية عن روايته "حجب الضوء"، وجائزة أكوتاغاوا الشهيرة عن روايته "طفل في بطن الأرض"، ثم جائزة كينزابورو أويه عن روايته "النشّال". وقد اختارت جريدة وول ستريت جورنال الأمريكية روايته "قواعد الشر والقناع" التي ترجمت للإنجليزية باسم (Evil and the mask) من ضمن أفضل عشرة روايات بوليسية لعام 2013. وكانت قد اختارت كذلك روايته "النشاّل" التي ترجمت تحت اسم (The Thief) من ضمن أفضل عشرة روايات لعام 2012، وكانت ضمن قائمة أفضل عشرة كتب من حيث عدد المبيعات لموقع أمازون الأمريكي في نفس العام. ورشحت لجائزة صحيفة لوس أنجلوس للكتاب في عام 2013.

ولد ناكامورا في محافظة أيتشي بوسط اليابان وتخرج من جامعة فوكوشيما شمال شرق اليابان في تخصص الاجتماع. وبعد تخرجه لم يلتحق بعمل ثابت بل يظل يعمل في أعماله مؤقتة لبعض الوقت ويخصص أغلب وقته في الكتابة حتى تفرغ تماما للكتابة. بعد نشر عمله الأول "السلاح". وينشر ناكامورا رواية كل عام تقريبا فنشر حتى الآن 12 رواية ومجموعتين قصص قصيرة.
يداوم ناكامورا على كتابة خاتمة لكل رواية من رواياته يذكر فيها بعض من أسباب وظروف كتابتها ويشكر كل من اشترك في إخراجها للنور ثم يشكر كل من يقرأها.

في رواية "مذكرات حقود" يتحدث البطل بلسان المتكلم. ويحكي عن مذكراته بعد أن علم بأنه مريض بمرض نادر نسبة الإصابة به واحد في كل مليون شخص. ويقول إن المرض يؤدى إلى الموت بنسبة 80% من المرضى. بطل الرواية الذي أصيب بهذا المرض النادر وهو في الخامسة عشر من العمر شعر بصدمة عظيمة عندما علم حقيقة مرضه بواسطة طفل في العاشرة من العمر تقريبا يرقد في نفس المستشفى يصارع الأيام في مواجهة نفس المصير وهو الموت وإن كان مرضه مختلفا.
فكر البطل في كيفية مواجهة لحظة الموت بشجاعة ودون خوف أو حزن أو معاناة. لم يجد البطل وسيلة لتقبل الموت إلا بالتفكير في كراهية الحياة وكراهية الناس وبدأ في تدريب نفسه على كراهية الحياة والحقد على البشر. وبدأ في التركيز على ذلك ونجح فيه إلى حد بعيد وأصبح مع ازدياد حالته سوءا، مستعدا لقدوم الموت وتقبله بصدر رحب لأنه هو الذي سيخلصه من هذا العالم الكريه الذي يمتلأ ببشر منفرين لا يستحقون إلا الحقد والبغض. ولكن تحدث المفاجأة التي لم تخطر على باله أبدا ألا وهي استجابة جسده للعلاج ونجاح الفريق الطبي برئاسة بروفيسور أمريكي جاء لليابان خصيصا لمتابعة حالته النادرة في التغلب على المرض وبدأ البطل يتعافى وأبلغه طبيبه أن سيخرج من المستشفى ليواصل حياته الطبيعية.
وبدلا من أن يفرح المريض بنجاح العلاج وتغلبه على المرض وقدرته على العودة لحياته الطبيعية قبل مرضه، ينزعج أشد الانزعاج ويرتبك، فهو لم يعد كما كان قبل المرض. وتغيرت نظرته للحياة ونظرته للبشر، وصار غير قادر على تقبل الحياة بعد أن استعد ذهنيا بعد صراع نفسي عنيف لتقبل الموت.
عاد البطل لحياته العادية قبل المرض ولكنه لم يكن هو، بل كان عبارة عن ميت بين الأحياء. وفكر أن شفائه هذا ما هو إلا فترة مؤقتة وأن المرض لابد وأن يعود إليه من جديد خاصة وأن نسبة عودة المرض لمن شفي منه كبيرة، وإنه لا محالة سيموت هذه المرة ولن يفلح معه علاج ولا دواء، وحتى لو لم يعد المرض، فهو كبشر لا بد له من الموت حتى لو عمّر طويلا فالموت مصيره. ولذا ظل على نفس حالته الذهنية من الحقد والكراهية للحياة وكل ما يمت لها بصلة. بل أنه عزم على ألا ينتظر مجيء الموت وقرر الانتحار. وعندما اشترى حبلا وذهب به إلى حديقة كبيرة ليشنق نفسه في إحدى شجراتها الكبيرة، صادف أن قابل أكثر أصدقاء الدراسة قربا له قبل مرضه، فيقرر في لحظة حقد وكراهية عميقين أن يقتله، فيدفعه ليقع في بحيرة الحديقة وهو يعلم تمام العلم أن صديقه هذا لا يقدر على السباحة، ويقف ليشاهده وهو يغرق لحظة بلحظة. وبناء على شهادته يتم اعتبار صديقه مات منتحرا، ليظل حتى نهاية الرواية يعاني من شعوره بأنه قتل إنسانا بريئا ويعيش محاولا الوصول إلى أقصى درجات الشر. ثم يعود إليه المرض من جديد وتنتهي الرواية أو المذكرات قبل دخوله غرفة العناية المركزة. لتلقي العلاج.

أما رواية "النشّال" أو "سَرّاق الجُيُوب" فتحكي عن نشّال محترف، عبقري في مهنة النشل والتقاط ما في جيوب الناس بمهارة فائقة لا تخطئ، لكنه لا يستهدف إلا الأغنياء الذين لن يتضرروا كثيرا من فقدان بضعة أوراق من العملة التي في محافظهم. وقد استعان ناكامورا بعدة مراجع علمية تتعلق بالنشل والسرقة وسرقة بضائع المحلات خلسة، وأغلب هذه المراجع غربية، ليصور بدقة عالية كيفية ممارسة النشّال لعمله هذا.
بسبب براعته في عمله يصطدم البطل بعصابة قوية من عصابات الجريمة المنظمة التي تمارس الأعمال المنافية للقانون على نطاق أوسع بكثير وبمبالغ لا تخطر على بال ذلك النشّال المتواضع. يوافق البطل على الاشتراك في الجريمة الأولى التي يقال له إنها مجرد سرقة بالإكراه لعجوز جشع ملأ خزانة منزله بأموال التهرب من الضرائب وبعد أن أفهمه أعضاء العصابة أنهم لا يريدون إلا الأموال وبعض الأوراق التي توجد داخل الخزنة. وكان دور النشّال هو واثنين من أصدقائه هو مجرد تهديد الخادمة وتقييدها وإغلاق فمها بشريط لاصق حتى لا تصرخ وتسبب ضجة وإزعاج يلفت نظر الجيران.
وبعد نجاح المهمة وعودة النشّال إلى حياته اكتشف أن العملية كان الغرض الأساسي منها هو قتل صاحب المنزل وأن آخر شخص بقي في المنزل بحجة التأكد أن العجوز لن يتصل بالشرطة وإعطاء فرص لزملائه أن يهربوا، قد قتله ذبحا مستخدما سيف ياباني تقليدي كان هو أداة التهديد التي استخدمت في السرقة.
يعود النشّال لحياته العادية ووضع يده في جيوب الغير واستخلاص ما خف حمله وغلا ثمنه فيها. وفي إحدى مرات ذهابه لسوبر ماركت قريب من منزله يجد أم وطفلها الصغير يحاولان سرقة بضائع من المحل بوضعها بسرعة في كيس ورقي يحمله الطفل به عدد من المناشف تخفي البضائع تحتها. ولكنه بعينه الخبيرة يعلم أن الأمر مفضوحًا وأن العاملة المتخصصة في اكتشاف هذا النوع من السرقات تتربص بالأم والطفل وتنتظر محاولة خروجهما بالبضائع من المحل دون دفع أثمانها لتقبض عليهما. يقترب النشّال من الأم ويبلغها أن سرقتهما مكشوفة وأن عاملة المحل تتربص بهما، وقال لها إما أن تدع البضائع في المحل وتهرب وإما أن تقوم بشرائها. ترفض الأم وتصر على فعلها فيقوم هو بوضع البضائع المسروقة غصبا في سلة المشتروات والتوجه لدفع ثمنها من ماله ثم إعطائها للأم مع التشديد عليها بعدم الزج بابنها الصغير في هذه الطريق. تستعجب الأم من فعله وتعرض عليه نفسها وتخبره بعملها كعاهرة ولكن الزبائن لا يعجبون بها وينصرفون عنها، وتعرض عليه نفسها بثمن بخس فيرفض ويتركها هي وطفلها.
ولكن يجد أن هذا الطفل قد تعلق به وتبعه حتى منزله، فيجده ينتظره في ذهابه وإيابه. يتأرجح النشّال بين رغبته في مساعدة الطفل لكي يقوم بالسرقة التي تجبره أمه وعشيقها ليها، ليقوم بها بمهارة وبين رغبته في إبعاد هذا الطفل البريء عن طريق الجريمة. في البداية يعطيه بعض النصائح ويريه بعض الأمثلة من عمله هو، ولكنه في النهاية يعطيه مبلغا كبيرا جدا من المال ويطلب منه إخفائه عن أمه وعشيقها واستخدامه في شراء الأشياء التي يُطلب منه سرقتها. ولكن الأم تكتشف المال وتذهب إلى بيت النشّال لتستعلم منه عن سبب إعطاء ذلك المبلغ للطفل متهمة إياه بإعطائه المبلغ للتغطية على شيء فعله به، فيستهجن قولها وينصحها مرة أخرى بإبعاد الطفل عن طريق الجريمة. وقال لها إن لم تكن ترغب في تربية الطفل فيجب عليها إيداعه في دار لرعاية الأحداث وأعطاها تفاصيل دار يثق هو أنها ستهتم بالطفل.
وفي إحدى المرات التي يقوم بها النشّال بعمله في استهداف الأغنياء مسك الضحية يده بقبضة قوية لا يستطيع الفكاك منها وأخذه إلى مكان مريب ليتفاجأ أنه رئيس العصابة التي عمل معها سابقا والذي طلب منه هو وزملائه مغادرة طوكيو والعيش بسلام بعيدا عنها بالمبلغ الضخم الذي حصل عليه نظير اشتراكه في الجريمة.
يعرض عليه رئيس العصابة الاشتراك في جريمة جديدة عبارة عن ثلاثة عمليات نشل لثلاثة أشخاص محددين يسرق منهم أشياء محددة في أوقات محددة ولابد أن ينتهي من ذلك كله في وقت محدد وإلا فمصيره الموت إذا فشل في ذلك، ولا يترك له حق القبول أو الرفض كما كان له ذلك الحق في المرة الأولى، بل لا يوجد إلا القبول لأن الرفض يعني قتل الطفل وأمه اللذين يعرف رئيس العصابة مدى ارتباطه بهما خاصة الطفل. فيقبل القيام بالأمر وينجح بعبقرية في إتمام المهام الثلاثة حتى المهمة الأخيرة التي بدت مستحيلة ينجح بخدعة ما في تنفيذها بمساعدة أحد رجال العصابة الذي ظهر في اللحظة الأخيرة لينقذه من يد الضحية الذي كان يحمل مسدسا. ويذهب به إلى وكر العصابة ليقابل الرئيس الذي يخبره بنهاية حياته لأن قدره أن يموت سواء نجح أو فشل ولأن الأمور تستدعي وجود جثة شخص ما في المكان وقد اختاره ليقوم بهذا الدور. وتنتهي الرواية بإيعاز أن البطل سيستطيع النجاة بقوة عزيمته ولفت نظر المارة إلى مكانه.

يتم توجيه النقد إلى ناكامورا بأنه في جميع رواياته يأخذ موقف الجاني الذي يكون في الغالب هو بطل الرواية وهو الراوي الذي يقوم بنقل الأحداث للقارئ من وجهة نظر مرتكب الجريمة. أبطال روايات ناكامورا جميعهم بهم عفوية وبراءة إنسانية وأسباب منطقية تجعل القارئ يتعاطف معهم ويتمنى نجاحهم في القيام بأعمالهم "الإجرامية" سواء القتل أو السرقة أو غيرهما. ولا يوجد في رواياته النظرة الأخلاقية المعتادة التي ترى ضرورة تلقى المجرم عقوبة ما "قانونيا" أو قدريا كأن يعدم القاتل أو يقتل إلخ. بل في نهاية الرواية ما ينم على نجاة البطل بشكل ما. إلا أن ناكامورا يجعل البطل معذبا في حياته بأفعاله. فالقاتل في رواية "مذكرات حقود" يظل طوال الرواية معذبا متألما من جريمته التي فعلها وبقدر خسة الجريمة بقدر عظمة المعاناة. وفي رواية "النشّال" يظل البطل في معاناة مع مصيره ونجده يحاول بكل ما لديه من قوة إنقاذ الطفل الذي ساقته الأقدار إليه، من أن يلقى نفس مصيره ويساعد أمه بالمال والنصيحة وأخيرا بالمعلومات لكي تضع الطفل في مؤسسة أحداث بدلا من الاستمرار في طريق الجريمة والسرقة، إيمانا منه أن الطريق القويم أفضل ويوضح ذلك أنه كان يتمنى لو لم يكن مجرما ويتمنى لو كان يستطيع العودة للطفولة فيسلك طريقا أخرى غير التي اختارها أو التي اختارتها له الأقدار.

يقول ناكامورا في خاتمة رواية "النشّال" إنه يحمل شعوراً خاصا تجاه بطل الرواية. ويعلل ذلك بأن شخصيته تميل إلى الإعجاب بالأفعال الموجهة ضد المجتمع وأعرافه. وأنه لذلك يكتب. فلو أن كل الأمور على ما يرام ولو أنه يرضى عن المجتمع وأوضاعه لما كانت توجد لديه حاجة للكتابة.

الثلاثاء، 10 مارس، 2015

ملتقى «أسماء المطوع» يناقش رواية «حكاية قمر» اليابانية

ملتقى «أسماء المطوع» يناقش رواية «حكاية قمر» اليابانية

حجم الخط |

   
«حكاية قمر» خلال المناقشات (من المصدر)
تاريخ النشر: الثلاثاء 03 مارس 2015
فاطمة عطفة (أبوظبي)
رواية يابانية: تأليف كيئتشيرو هيرانو وترجمة ميسرة عفيفي، تعود أحداثها إلى أواخر القرن التاسع عشر، بعد أن مرت البلاد بصراع ديني كبير كان أتباع البوذية ضحاياه. هذه الرواية كانت موضوع نقاش في «ملتقى أسماء المطوع الأدبي». وخلال النقاش طرحت آراء متعددة: هناك رأي يقول إنها قصة رومنسية جميلة، وآخر رأى فيها مأساة شاب، وثالث تناول جمال الطبيعة. ومعظم الآراء اتفقت على أنها رواية جميلة وممتعة، رغم نهايتها المحزنة، وهي تجمع بين الواقع والأحلام في رحلة جبلية شبه أسطورية مزجت بين الحب والموت وضياء القمر وعناصر الطبيعة الأخرى من نهر وشجر وأمطار وطيور وأزهار في قصة عشق ينتهي بالموت، لكنه ليس الموت المخيف، ولكنه أشبه ما يكون بفناء العاشق بالمعشوق في الصوفية، وخاصة أن ذلك يتم في حضرة كاهن بوذي معتكف بالجبل من أتباع طريقة الزن، وقد بلغ مرحلة الإشرق أو الاستنارة.
وحين نتابع الرواية من البداية نرى أن الشاب يعاني من مرض «الوهن العصبي» وأنه يقوم برحلات ترفيهية في الطبيعة، وبتشجيع من أهله. ونكتشف من خلال مواصلة الرحلة رغم مشاقها أنه كان يبحث عن الحب، وقد وجده في أحلامه أولا، بعد أن أصيبت قدمه بلدغة الثعبان وارتمى فاقدا وعيه لينقذه الكاهن البوذي. ورغم أن الكاهن حاول إبعاده عن الجبل، لكنه حين سمع بقصة الفتاة وعينيها القاتلتين من مالكة النزل بدأ رحلة الجبل من جديد فالتقى الحبيبة واندمجت روحاهما بالتلاشي معا، في حالة أسطورية عجيبة، وكأن العاشقين قد تحولا إلى فراشة مبهرة للعين.


アラブ首長国連邦の首都であるアブダビ市に出る「イッティハード紙」で出た記事です。
発行日:2015年3月4日(火曜日)
「アスマーウ・アルムタッウィウの会」で日本の小説「一月物語」を語る
...
ファーティマ・アトゥファ(アブダビ)
(アラビア語から日本語に訳してくれたのは堂 有里さんです。)
今回「アスマーウ・ムッタウィウの文学会」のテーマとなった、平野啓一郎作、マイサラ・アフィーフィ訳の日本文学『一月物語』。この物語の舞台は、日本各地で多くの仏教徒が犠牲となった宗教抗争が起きた後の19世紀末に遡る。議論では、本作について「感傷的で美しい物語である」「若者の悲劇が描かれている」「自然の美しさを味わうことができる」等の様々な意見が飛び交った。全体としては、その結末が悲劇的であるにもかかわらず、美しく興味深いものであるという点で見解が一致した。そして、この物語が愛と死、月の光や川、木、雨、鳥、花といったその他の自然的要素が混ざり合う神話の様に、夢と現実が(主人公の)旅路の中で混ざり合い、その恋物語は死で幕を閉じるが、その死は恐ろしいものではなく、むしろスーフィズムにおいて神の愛を求めることで自我を消滅させるのに似ており、とりわけそれは山に隠遁し禅の道に従う仏僧の存在に表れ、僧は悟りの境地に到達した。(という点でも合意した。)
この物語は、「神経衰弱」に悩む青年が、家族の勧めもあり、気鬱を慰める山旅に出るところから始まる。青年は苦難が伴うにも拘わらず、旅を通じて愛する者を探し求める。道中で毒蛇に足を噛まれ、気を失って僧侶に助けられた後、彼は夢の中で初めてその女を見出す。そして、宿の女将から人を殺す力を持った女の目の話を聞き知ると、僧侶の制止を振り切って再び山に入り、ついに女と出会う。二人の魂はその生を失うことによって融合し、この奇妙な神話的状況の中で「目も異(あや)なる蝴蝶」へと変化したのであった。
(原文:http://www.alittihad.ae/details.php?id=21762&y=2015