السبت، 14 يونيو، 2014

العراق وخطورة سقوط الموصل


العراق: خطورة سقوط الموصل

تأليف: كيكو ساكاي
ترجمة: ميسرة عفيفي

(البروفيسورة كيكو ساكاي ولدت في عام 1959، وتخرجت من جامعة طوكيو القومية، ثم حصلت على ماجستير من جامعة درهام البريطانية مركز أبحاث الشرق الأوسط والإسلام. عملت كباحثة في مركز أسيا للدراسات الاقتصادية، وأستاذة في جامعة طوكيو للغات الأجنبية، وتعمل حاليا كأستاذة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية والقانون في جامعة تشيبا القومية. تعتبر البروفيسورة ساكاي أكثر اليابانيين معرفة وتخصصا في الحالة العراقية سياسيا واقتصاديا. عملت لفترة كباحثة في السفارة اليابانية في بغداد في منتصف الثمانينات من القرن العشرين، ودرست لفترة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة كباحثة زائرة في منتصف التسعينات.)


بدأ - ما كنت أخاف وقوعه - يقع بالفعل.
الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) "ISIS"، شديدة التطرف - لدرجة قطع علاقتها مع تنظيم القاعدة نفسه - بدأت في اجتياح العراق ووضعت يدها على الموصل ثالث أكبر المدن العراقية. وكانت داعش قد أنشأت لها معاقل بالفعل في الفلوجة غرب العراق منذ بداية هذا العام، ودارت بينها وبين الجيش العراقي مناوشات ومعارك متكررة، ثم حاولت في بداية شهر يونية اجتياح مدينة سامراء التي تبعد حوالي 125 كيلومتر شمال بغداد، موسّعة بذلك من نطاق عملياتها القتالية بسرعة كبيرة. وفي العاشر من هذا الشهر وصل الأمر إلى سقوط مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى التي يوجد بها مقر المحافظة. وقد أحكمت الجماعات المسلحة التابعة لداعش سيطرتها على المراكز الحيوية في المدينة مثل مقر مجلس وبلدية المدينة والمطار. أما قوات الشرطة والجيش العراقيين، التي من المفترض أن تحمي المدينة فقد هرب جنودها بأجسادهم بعد أن خلعوا زيهم العسكري، وأما سكان الموصل المدنيين الذين فقدوا من يحميهم فقد حارت بهم السبل وهم يحاولون الهرب خارج حدود المدينة وحدود المحافظة. ويقال إن عدد النازحين المدنيين وصل إلى 450 ألف شخص. ولكن رغم ذلك إقليم الحكم الذاتي الكردي المجاور الذي اندفع إليه النازحين طلبا للأمان، أغلق أبوابه في وجوههم في محاولة مستميتة لتجنب التورط في الصراع.

بدء الوضع الأمني في العراق يزداد سوءا مع الوقت بعد جلاء قوات الاحتلال الأمريكي في عام 2011، ولكن منذ بداية هذا العام وصل متوسط عدد القتلى من المدنيين إلى حوالي 50 شخصا في اليوم الواحد. وبالمقارنة مع متوسط عدد القتلى في اليوم الواحد في عامي 2011 – 2012 - الذي كان حوالي 10 أشخاص - نجد أن عدد القتلى تضاعف خمسة مرات. علاوة على ذلك في الأسبوع الأول فقط من شهر يونية هذا، تخطى متوسط عدد القتلى حاجز الثمانين شخصا، وإذا استمر الحال على ذلك، فمن السهل توقع أن يعود الوضع القهقري إلى ما كان عليه بين عامي 2006 – 2007 حيث شهدت البلاد أسوء حرب أهلية في تاريخها والتي كان متوسط عدد القتلى في اليوم الواحد وقتها يفوق المئة شخص.

لماذا وصل الأمر إلى هذا الحال؟!
من المفترض أن رغبة الحكومة العراقية الجيش الأمريكي في إنهاء الحرب الأهلية واستخدامهما كل الوسائل المتاحة، قد أنهت بشكل كبير النشاطات القتالية لدولة العراق الإسلامية في عام 2008. ففي محافظتي الأنبار ونينوى غرب العراق حيث كانت الجماعات المسلحة تقاوم الجيش الأمريكي بشراسة، نجحت الحكومة في قطع الطريق على وجود أي علاقة تعاون بين المواطنين وبين الجماعات المسلحة من خلال دعم وتقوية الجماعات العشائرية المتعاونة مع الحكومة العراقية والتي أطلق عليها اسم مجالس الصحوة. تلك الطريقة في "استمالة قلوب المواطنين"، أُطلق عليها وقتها اسم "معادلة بتريوس"، لدرجة أن يقال عنها إنها أكثر الأمثلة نجاحا لإنهاء الجيش الأمريكي لحروبه.
ورغم ذلك، لماذا عادت الحرب الأهلية لتشتعل من جديد؟!
من الواضح جدا تأثّر العمليات القتالية في داخل العراق بنشاط الجماعات المسلحة في سوريا، لدرجة تسمية التنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، ولكن الفشل الأكبر هو إضاعة الحكومة العراقية لقلوب المواطنين التي نجحت في استمالتها سابقا.

كان أحد سبل استمالة قلوب المواطنين هو توزيع حقائب وزارية على الفئات المهمشة البعيدة عن التيار الرئيس للسلطة الحاكمة، وكذلك خلق حالة وعي بضرورة المشاركة في العملية السياسية لدى السُنة الذين يشعرون بعدم الرضا من الوضع السائد. ظلت حكومة المالكي وحتى عام 2010 - أي حتى بداية فترة حكمه الثانية – تحافظ على مبدأ تقاسم السلطة من خلال إعطاء مناصب حكومية هامة للسياسيين الرئيسين من السُنة. ولكن بعد جلاء الجيش الأمريكي تبدّل الحال وبدأت عملية إبعاد السياسيين السنة واعتبارهم أعداء سياسيين.

ومن ضمن ذلك، ما حدث في عام 2012 - وسبّب أزمة سياسية كبرى - ألا وهو البدء في إبعاد رافع العيساوي وزير المالية المنتمي لمحافظة الأنبار. وكانت تلك القضية أحد أسباب عودة حالة انعدام الثقة في الحكومة لدى أهل الأنبار التي كانت قد هدأت وخفت حدتها. ولذا استمرت المظاهرات المعارضة للحكومة في محافظة الأنبار، وليس من الصعب تخيل قدرة مجموعات مسلحة من أتباع دولة العراق الإسلامية في بناء معاقل لها مرة أخرى في تلك المنطقة وسط الفوضى التي حدثت أثناء إخماد الحكومة العراقية للمظاهرات بعنف وصرامة.
حاولت الحكومة العراقية إعادة استخدام مجالس الصحوة مرة ثانية، تلك التي كان استخدامها في الماضي سببا في استمالة قلوب المواطنين، ولكن من الصعب جدا استعادة الثقة التي فقدتها مرة.

ولكن مقارنة بأحوال محافظة الأنبار تلك، فإن سقوط الموصل هذه المرة يشكل كارثة في منتهى الخطورة. والسبب أن سكان الموصل السنة ورغم وجود إحساس بالغبن وعدم الرضا تجاه الحكومة، إلا أنهم ظلوا مشاركين في العملية السياسية من خلال النظام النيابي والبرلمان. فبخلاف السياسيين السنة في محافظة الأنبار الذين تم إبعادهم، يوجد مثلا من السياسيين من أهل مدينة الموصل، أسامة النجيفي رئيس البرلمان الذي له قاعدة قوية في الموصل ويعتبر حاليا من أكثر السياسيين السنة تمتعا بتأييد الجماهير. لو افترضنا أن وقوع محافظة الأنبار في براثن الجماعات المسلحة هو نتيجة طرد سياسيّها من السلطة، فلم تكن الموصل في نفس الظروف. لو بدّلنا القول، فذلك يعني أن قوات دولة العراق الإسلامية المقاتلة أصبحت تملك قوة تجعلها قادرة على إخضاع مدينة كبرى بأكملها، رغم عدم وجود ثغرات تنفذ منها الجماعات المسلحة وتحصل على تأييد المواطنين.

ربما تكون الأوضاع قد أصبحت أكثر خطورة من حالة الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 2006 – 2007. والسبب أن ما يجري الآن ليس صراعا دينيا. ففي وقت الحرب الأهلية كانت توجد ضرورة لدى الجماعات المسلحة للانخراط وسط المواطنين، فقامت متعمدة بعمليات إرهابية عشوائية من أجل إشعال فتيل الصراع الديني. وتفجير ضريح الإمام العسكري في مدينة سامراء أحد الأماكن المقدسة للشيعة، يعتبر أشهر الأمثلة على ذلك. ولكن الذي يحدث حاليا عبارة عن عمليات عسكرية حقيقية لجيش شبه نظامي، وليست مجرد عمل أخرق لتحدي مشاعر الآخرين الدينية. أثناء مواجهة عمل أخرق يستفز مشاعر الصراع الديني، كانت توجد قدرة على التعامل معه بضبط النفس وعدم الانجرار وراء الاستفزاز. ولكن في مواجهة الهجوم الأخير مهما قام المواطنين بضبط النفس، فلن يكون لذلك أي فائدة.

بعد سيطرتها على الموصل والأنبار أصبحت دولة العراق الإسلامية، تطل على بغداد من غربها وشمالها. وأصبح يحيط بالعراق قلق محتواه أن كابوس سقوط بغداد في يد داعش، ربما لم يعد الآن مجرد كابوس.



الثلاثاء، 10 يونيو، 2014

النزاع العرقي والطائفي، وكيفية حله


النزاع العرقي والطائفي، وكيفية حله

 

تأليف: د. هاجيمه يوشيكاوا – بروفيسور بجامعة صوفيا اليابان

 

ترجمة: ميسرة عفيفي

 

1-    حتمية تفادي النزاع العرقي

تؤول الدولة التي خاضت صراع عرقي بعد انتهاء النزاع العرقي فيها إلى طريقين مختلفتين.

 

l      في حالة البوسنة: تم تثبيت حالة التقسيم العرقي في داخل البوسنة (تقسيم أماكن السكن بين الأعراق الثلاثة المتنازعة في الدولة)، وبقيت تركيبة الصراع العرقي على ما كانت عليه سابقًا.

l      في حالة كوسوفو: أعلن الاستقلال وتم الانتهاء من التطهير العرقي. ولكن على اعتبار أنه أصبح من المستحيل الوصول إلى حالة من السلام مع الصرب المجاورين لهم، فإن الوضع لايزال غير مستقرا، ولازال النزاع العرقي على المستوى الدولي مستمرا.

 

يوجد في الدول الأوروبية نظام لحماية الأقليات. كما يوجد نظام لمراقبة تلك الحماية، ولأن هناك جاذبية في الانضمام إلى حلف الناتو أو إلى الاتحاد الأوربي لذا تم تحقيق التعايش بين الأعراق المتعددة وحماية الأقليات في الدول الأوربية. ولكن للأسف لا يوجد نظام كهذا النظام الدولي في بلدان أسيا والشرق الأوسط. فما أن تبدأ السياسات القائمة على أساس عرقي، حتى يصبح احتمال الوقوع في حرب أهلية لا تحمد عقباها على أساس العرق كبيرا للغاية.

إنه لمن الصعوبة بمكان العودة إلى نظام ديمقراطي طبيعي، بعد حدوث نزاع عرقي. بعد انتهاء الحرب الطائفية أو العرقية، تستمر داخل الدولة حالة التطهير والفصل العرقي وينتهي الأمر إلى الفصل التام بين الأعراق داخل الدولة الواحدة. ويتم تثبيت تركيبة الصراع والتناحر، حتى في إطار النظام الديمقراطي الحر على الطريقة الغربية.

 

السؤال هو: ما هي الإجراءات التي يجب القيام بها من أجل تجنب الوقوع في سياسة تقوم على الأساس العرقي؟

 

2-    السياسة العرقية والنزاع العرقي

إن عملية تغيير النظام السياسي تكون عملية صعبة ومليئة بالمتاعب. وغالبا ما يحدث تقهقر فيها. إذن كيف يمكن تلافي ذلك التقهقر؟ وخاصة في فترة الانتقال الديمقراطي لدولة بها تعدد عرقيات أو تعدد طوائف، خطورة الوقوع في "عرقنة" السياسة كبيرة للغاية. فعندما يقوم النظام الحاكم بمحاولة توحيد الدولة حول محور عرقي أو طائفي أو ديني، تصبح المجموعات الأخرى طرف منافس، ويتطور الأمر ليشكل خطورة على وجودهم من أساسه.

إن احتمال الوقوع في حرب أهلية في الدول التي مضى على تطبيق الديمقراطية فيها عشرة أعوام يكون أكبر بكثير من احتمال وقوعها في دولة لم يمض عليها سوى عام واحد في التجربة الديمقراطية. وهذا بسبب أن عملية انتخاب الرئيس أو رئيس الوزراء تصبح أكثر شفافية، وبازدياد المشاركة السياسية، ومن أجل المحافظة على الدعم الشعبي، يكون هناك اتجاه إلى رفع المبادئ العرقية والطائفية، وعندها تتوتر العلاقات مع البلدان المجاورة، ويصبح من السهل وصول الوضع إلى حالة الحرب.

إن الدولة التي تكون في فترة التحول إلى الديمقراطية، مقارنة بالدول المستقرة، تكون أكثر عدوانية وتتجه بسهولة إلى الحرب، وتكون فرص استخدام قوة السلاح كبيرة. إن احتمال حدوث حروب في البلدان التي في فترة التحول إلى الديمقراطية يكون ضعف احتمال حدوث الحروب في الدول الديكتاتورية.

إن عدم القدرة على التحكم في "الإثنية" السياسية هي الأزمة الكبرى في عملية التحول الديمقراطي.

 

3-    هل تطبيق النظام الفيدرالي هو الحل؟

في مراحل التحول الديمقراطي انهارت دول فيدرالية مثل الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا بسبب مبدأ حق تقرير المصير للشعوب، كما أن كندا أيضا تواجه خطر التفكك. وفي سيريلانكا لم يتوقف "التاميل" عن تحيّن أي فرصة للانفصال. وافقوا على النظام الفيدرالي مرة، ولكن مطالبتهم بتوسيع سلطات حكمهم الذاتي كان سببا في عودة حالة النزاع من جديد. وقد رفضت مقدونيا النظام الفيدرالي وحققت حالة من التعايش بتوسيع سلطات الحكم الذاتي. وتشكيل جهاز الشرطة اعتمادا على نسب التوزيع العرقي في البلاد.

لماذا لا يستمر النظام الفيدرالي طويلا؟ السبب هو إنه في الدول الموحدة هناك ضرورة لتمازج ثقافي، وسيطرة الحكم الديمقراطي على الجيش، وتوحيد العلاقات الخارجية، ومساواة في التقدم الاقتصادي، لكن في حالة النظام الفيدرالي فإنه:

      بسبب الاستقلال الثقافي والتعليمي، يقوم كل إقليم بتقوية هوية الإقليم المتعلقة بالعرق أو الطائفة.

      بسبب استقلال هيئات الجيش والشرطة تضعف سلطة الحكومة المركزية وتفقد السيطرة عليهما.

      بسبب الفوارق بين الأقاليم، تقوى الرغبة في الانفصال لدى حكومات الأقاليم الغنية بالموارد.

 

4-    هل يتحقق الاستقرار من خلال عملية اقتسام السلطات؟

أحد أشكال النظام الديمقراطي لدولة تقر بوجود مجموعات عرقية وطائفية متنازعة، هو تقسيم السلطات بينها. نظام تقاسم السلطات هو نظام يضمن للجماعات العرقية والأقليات الاشتراك كمجموعة عرقية أو كأقلية في تشكيلة الحكومة بموجب الدستور. وهو أحد الخيارات القليلة التي يتم التفكير في تنفيذها على الفور، في الدول التي لا زالت تركيبة الصراع العرقي والطائفي فيها ساخنة. الحل بواسطة تطبيق نظام تقاسم السلطات هو الحل المناسب للمجتمع الذي يواجه خطر الانقسام والتحارب.

هناك أربعة طرق لتطبيق هذا النظام.

الطريقة الأولى: طريقة الائتلاف الكبير (مثل البوسنة)، التي يتم فيها تداول مناصب الحكومة والرئاسة، وأيضا كبرى الوظائف الحكومية بالتبادل بين الأعراق المختلفة كل فترة.

الطريقة الثانية: هي الفصل الكامل للأعراق والطوائف وإعطاء كل منها حكما ذاتيا مطلقا.

الطريقة الثالثة: اشتراك الأعراق أو الطوائف في العملية السياسية وتوزيع المناصب عليها حسب تعداد سكان كل منها (مثل لبنان).

الطريقة الرابعة والأخيرة: إعطاء الأقليات حق النقض أو الفيتو في القرارات المصيرية الهامة.

 

5-    الخلاصة

إن أوضاع العالم تتغير بشكل دائم. ولقد انتهى عصر إعطاء العرقيات حق تقرير المصير. ولن يكون هناك على الأرجح استقلال على أساس عرقي. حركات التحرر القومي التي لاقت تأييدا في الماضي يتم تصنيفها بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 على أنها حركات إرهاب دولية.

هناك الآن اتجاه عالمي نحو "الدمقرطة"، وتجريم سياسات الهضم والامتصاص. وأصبح لا بديل عن التعايش بين الثقافات المختلفة.

بعد انتهاء النزاع العرقي أو الطائفي تكون شرعية الحكم ضعيفة، كيف يمكن بناء دولة مستقرة، من حطام دولة لا يملك مواطنيها شعورا بالوحدة والانسجام؟ في حالة إجراء انتخابات حرة، فإنه من الواضح أنها ستصب في صالح الأكثرية العرقية في الدولة. وعندها كيف يتم الاحتفاظ بالتوازن في المشاركة السياسية بين الأكثرية العرقية والأقليات؟ المجتمع الذي ينقسم فيه المواطنون إلى تكتلات، يدور فيه الناقش حول القضايا المركزية مثل الفيدرالية والحكم الذاتي بالإضافة إلى تقاسم السلطات.

 

-        الحل يتلخص في حتمية تجنب الصراع والنزاع العرقي والطائفي. ورغم أنه لا توجد وسيلة مؤكدة للتحصن ضد الوقوع في الحرب الأهلية، إلا أنه يوجد أمثلة لحلول سابقة تم اللجوء إليها مثل:

-        في الجانب السياسي: تطبيق نظام الحكم الذاتي، والانتظار حتى تنضج الأحزاب الوطنية (التي لا تقوم على أساس عرقي أو طائفي).

-        في الجانب الثقافي: تطبيق مبكر لمبدأ تعدد الثقافات الذي يحترم تقاليد وثقافات ولغات الجميع، بالإضافة إلى توحيد مناهج التعليم (وبصفة خاصة مناهج التاريخ).

-        تشجيع الشراكة الثقافية من خلال توحيد وسائل الإعلام، (مما يؤدي إلى تمازج انسجام جميع المواطنين).

-        الجانب الأمني: من الأفضل تعيين رجال الشرطة لكل إقاليم بحسب عدد سكان كل طائفة أو عرق فيه.

الأحد، 11 مايو، 2014

رؤية وتفسير ديني لرواية "بحر الخصوبة" ليوكيو ميشيما البوذية وتناسخ الأرواح ومعتقد الوعي فقط

رؤية وتفسير ديني لرواية "بحر الخصوبة" ليوكيو ميشيما
البوذية وتناسخ الأرواح ومعتقد الوعي فقط


تأليف: ميسرة عفيفي

في ليلة الخامس والعشرين من نوفمبر عام ١٩٧٠ أكمل يوكيو ميشيما  (١٩٢٥ ~ ١٩٧٠) الجزء الأخير من رباعية "بحر الخصوبة"، وبعد أن كتب آخر كلمات الرواية الأخيرة التي أسمها "سقوط الملاك" وفي صباح اليوم نفسه وضع أوراق الرواية في مظروف وأرسله بالبريد إلى عنوان شركة النشر، ثم قام بارتداء بذته العسكرية الأثيرة لديه والتي طلب خصيصا من أحد أشهر بيوت الأزياء العالم تصميمها لجماعته العسكرية التي أنشأها تحت اسم "جماعة الدرع" (tatenokai)، ثم اصطحب أربعة من أخلص تلاميذه في الجماعة وذهب بهم إلى القيادة العامة لقوات الدفاع الذاتي اليابانية في منطقة إيتشيغايا بالقرب من القصر الإمبراطوري ليقع الحادث المشهور "بحادثة إيتشيغايا" في التاريخ الياباني المعاصر أو حادثة انتحار ميشيما (راجع مقالة الكاتب "الفتى الذي كان يكتب الشعر فصار أحد أكبر روائيي اليابان: يوكيو ميشيما وأزهار الكرز" المنشورة في جريدة القدس العربي بتاريخ ٢٨ مارس ٢٠١٣).
يدل ما سبق على أن ميشيما كان حريصا كل الحرص على الانتهاء من رواية رباعية بحر الخصوبة وحريصا أيضا على وصولها للقراء بشكل مؤكد وفي أسرع وقت ممكن، إذ أنه لو تركها كمسودة بين إرثه لربما أهملها الورثة اعتقادا أنها لم تكتمل، أو لتأخر ظهورها على أقل تقدير لمعرفته بما هو مقدم عليها وما سيحدثه فعله من جلبة ودوي هائل لا يتوقف عند حدود اليابان بل يتخطاها إلى كل أنحاء العالم، وبالتالي لن تكون عائلته المسكينة التي تُركت بين حزنها عليه وبين هجوم شديد ولاذع من المجتمع الياباني المحافظ الذي استنكر بشدة فعلة ميشيما واعتبرها ضرب من التهور والجنون غير المحمود.

ما هو إذن محتوى رواية رباعية بحر الخصوبة تلك التي حرص ميشيما كل ذلك الحرص على إكمالها وإيصالها للعالم قبل موته منتحرا بالشكل الذي حدث. هذه المقالة تناقش تلك الرواية بأجزائها الأربعة لتحاول الوصول إلى مغزاها الديني والفلسفي الذي ضمنه ميشيما في كل أعماله التي تخطت مبيعاتها المائتين مليون نسخة في كل أنحاء العالم.

اسم الرواية "بحر الخصوبة" هو ترجمة قام بها ميشيما لكلمة لاتينية هي (Mare Foecunditatis) وهي تشير إلى اسم بحر من البحار الوهمية الموجودة على سطح القمر والذي يتناقض اسمه مع واقعه فهو بحر ناضب بلا ماء ولا خصوبة. تتكون رباعية بحر الخصوبة من أربعة أجزاء كما تدل كلمة رباعية، نُشر كل جزء منفصلا عن الآخر وباسم مستقل وبعد الانتهاء مباشرة من كتابته؛ فنشر الجزء الأول تحت اسم "ثلج الربيع" في مجلة "شين تشو" أو التيار الجديد بدءً من شهر سبتمبر عام ١٩٦٥ حتى شهر يناير عام ١٩٦٧، ونشر الجزء الثاني "الجياد الهاربة" في نفس المجلة بدء من شهر فبراير من نفس العام حتى أغسطس عام ١٩٦٨، ونشر الجزء الثالث "معبد الفجر" نشر من شهر سبتمبر من عام ١٩٦٩ حتى شهر أبريل من عام ١٩٧٠، أما الجزء الرابع والأخير "سقوط الملاك" فقد نُشر من شهر يوليو من نفس العام ونشرت أخر حلقة منه كما ذكرنا بعد انتحار ميشيما في يناير من عام ١٩٧١ وبعد حرصه على تكملته وإرساله للنشر قبل لحظات من بقر بطنه بيده ليلاقي مصيره المحتوم ويقابل الحقيقة الكبرى التي ظل يبحث عنها من خلال مؤلفاته طوال حياته القصيرة نسبيا مقارنة بمتوسط العمر الطويل لليابانيين.
بلغ عدد صفحات الأجزاء الأربعة من رواية "بحر الخصوبة" حوالي ١٣٠٠ صفحة في الطبعات الأربعة الأولى (طبعة كبيرة الحجم مُجلّدة)، وقد تُرجمت الرباعية بمجلداتها الأربعة إلى اللغة العربية عن طريق لغة وسيطة هي اللغة الإنجليزية على يد الأستاذ كامل يوسف حسين وصدرت الرباعية كاملة عن دار الآداب ببيروت فيما يقترب من الألف وتسعمئة صفحة من القطع المتوسط، نُشرت طبعة "ثلج الربيع" الأولى في عام ١٩٩٠، والطبعة الأولى من "الجياد الهاربة" في عام ١٩٩١، ونُشرت الطبعة الأولى من "معبد الفجر" في عام ١٩٩٣، ونُشرت الطبعة الأولى من الجزء الرابع "سقوط الملاك" عام ١٩٩٥.

يقول العالم والناقد الياباني المرموق د. ناوكي كومورو عن رباعية بحر الخصوبة: "إذا سألني أحدكم عن أفضل كتاب يشرح لليابانيين فلسفة الديانة البوذية التي تبلغ صعوبتها حدا لا مثيل له، سأرشح له آخر روايات يوكيو ميشيما رُباعية "بحر الخصوبة".
دعونا الآن نلقي نظرة سريعة على ملخص أحداث الرواية.
تبدأ الرواية بالجزء الأول "ثلج الربيع" ويحكي فيه ميشيما قصة حب رومانسية حالمة بين بطلي الرواية "كيوأكي ماتسوغاي" وحبيبته "ساتوكو أياكورا" اللذين يتمنيان معا لطبقة النبلاء. فقد أرسل والد كيوأكي ابنه إلى منزل عائلة أياكورا النبيلة ذات المرتبة الأعلى من مرتبة عائلة ماتسوغاي لكي يتربى كنبيل عظيم ويتاح له مستقبل زاهر. أما ساتوكو فهي ابنة عائلة أياكورا الوحيدة التي تكبر كيوأكي بعامين، وتتربى معه. وفي يوم من الأيام يعتقد كيوأكي مرهف الحس أن ساتوكو تعامله معاملة الأطفال بسبب فرق السن بينهما، فتنجرح كرامته ويبدأ في الابتعاد عنها. هنا تيأس ساتوكو من حبها له وتوافق على أن تُخطب لأحد أمراء البيت الإمبراطوري. وعندما يتحدث والد كيوأكي عن خطبة ساتوكو أمام كيوأكي كان رد فعله باردا لدرجة أن يرد بقوله إنه من الأفضل لها الإسراع بإتمام الزواج. ولكن ساتوكو تكتشف أن حبها لكيوأكي أعمق وأكبر مما كانت تعتقد. وأخيرا صدرت موافقة الإمبراطور على زواج ساتوكو من الأمير، ولكن حب ساتوكو يعود من جديد ليستولى على قلب كيوأكي. ولو دخلت ساتوكو رسميا في رحاب العائلة الإمبراطورية سيصبح لقاء الحبيبين السابقين مستحيلا. هنا يهدد كيوأكي وصيفة ساتوكو المسماة تاديشينا ويطلب منها أن ترتب له لقاءً سريا مع ساتوكو. وتوافق ساتوكو على ذلك، وبمعاونة صديقه الحميم هوندا تتكرر تلك اللقاءات حتى وصل الأمر إلى أن تحمل ساتوكو سفاحا. حاولت تاديشينا أن تقنع ساتوكو بإجهاض الجنين ولكن ساتوكو ترفض، فتحاول تاديشينا الانتحار.
وبسبب ذلك تعرف العائلتين ما بين ساتوكو وكيوأكي. فيقوم النبيل ماتسوغاي والد كيوأكي بتعريف ساتوكو بطبيب في مدينة أوساكا يقوم بإجهاضها، وتقوم ساتوكو بحلاقة شعرها تماماً لتدخل بعدها مباشرة سلك الرهبنة في معبد غيشّوجي في نارا. ويتم إلغاء القرار الإمبراطوري بزواجها من الأمير هارونوري توئين بسبب اختلال الحالة النفسية لساتوكو.
يذهب كيوأكي في السادس والعشرين من فبراير وسط تساقط ثلوج الربيع إلى معبد غيشّوجي البوذي لكي يرى ساتوكو ولو لنظرة واحدة ولكن يتم رده من على الباب ولا يستطيع لقائها. يصر كيوأكي على مقابلة ساتوكو إلا أنها ترفض ذلك رفضا تاما. وبسبب انتظاره الطويل وسط الثلوج يصاب كيوأكي بالتهاب رئوي حاد يتسبب في وفاته شابا في العشرين من عمره. ولكن كيوأكي قبل موته يبلغ هوندا أقرب أصدقائه إليه بعودته مرة أخرى للحياة من خلال التناسخ ويقول له "سنتقابل مرة أخرى يا صديق. سنتقابل عند الشلال."
بهذا ينتهي الجزء الأول من الرباعية ممهدا للجزء الثاني "الجياد الهاربة" الذي تدور أحداثه بين عامي ١٩٣٢ و١٩٣٣ وفيه يصير هوندا الذي بلغ من العمر ٣٨ بعد مرور ١٨ عام على وفاة كيوأكي وقد أصبح قاضيا في المحكمة العليا بأوساكا ثاني أكبر مدن اليابان. عند ذهاب هوندا لمشاهدة مباراة في رياضة الكندو اليابانية تتوقف عينه على شاب يبلغ من العمر ١٨ عام يلعب بسيف من خشب الخيزران، بلا أي هفوة أو خطأ. ويعرف أن هذا الشاب هو إيساو إينوما ابن شيغيوكي إينوما الذي كان يعمل كاتبا عند كيوأكي. بعد المباراة يلتقي هوندا مع إيساو مصادفة بجوار شلال سانكو في جبل ميواياما ويكتشف وجود ثلاث شامات سوداء في بطنه تماثل تماما الشامات الثلاثة التي كانت لدى كيوأكي، ويذهل هوندا عندما يتذكر قول كيوأكي له عند موته.
كوّن إيساو مع أصدقاء له جماعة باسم "رابطة النقاء"، بهدف العمل على تطهير عالمي السياسة والاقتصاد من الفساد ولو بالسيف. ويتقرب إيساو من ضابط في القوات البرية للجيش الإمبراطوري يدعى هوري، وكذلك تقابل مع الأمير هارونوري توئين وبالتالي زاد عدد أعضاء الجماعة وتأمّل إيساو في تعاون الجيش مع مخططه.
يدعو إينوما - والد إيساو - هوندا إلى منطقة ياناغاوا في محافظة شيزوأوكا ليرى هناك أناس بزي أبيض يحاولون تهدئة روح إيساو. ويقول والد إيساو لابنه: "أنت بلا أي شك، إله هائج." وكان ذلك المشهد بحذافيره يوجد في مذكرات أحلام كيوأكي. وعندها يتأكد هوندا تماماً من أن إيساو هو روح كيوأكي قد تناسخت وولدت من جديد.
يُنقل النقيب هوري إلى منشوريا وبذلك نقص عدد رفقاء إيساو ولكنه يظل مع باقي الرفاق في التفكير والتخطيط في سرية كاملة لتنفيذ مجموعة اغتيالات تستهدف كبار رجالات السياسة والاقتصاد، ولكن تتسرب الخطة بشكل ما ويتم إلقاء القبض على إيساو ورفاقه قبل التنفيذ. وعلى الفور يقرر هوندا الاستقالة من القضاء والتحول إلى محامي ليقوم بمهمة الدفاع عن إيساو ورفاقه لإنقاذهم. وبفضل دفاع هوندا يحصل إيساو ورفاقه على البراءة بعد عام كامل من التقاضي والمحاكمة ويتم إطلاق سراح الجميع. ولكن يذهل إيساو عندما يعرف إن والده هو الذي سرب خطة الاغتيالات ويسمع هوندا إيساو يقول وهو في حالة سكر بيّن: "الجنوب ... أقصى الجنوب داخل أشعة وردة بلدية في دولة جنوبية. ..."
في التاسع والعشرين من ديسمبر يختبأ إيساو عن أنظار الجميع، ويتوجه إلى جبل إيزو حاملا معه خنجر صغير. ثم يتسلل إلى البيت الريفي لـ "تاكيسيكي كوراهارا" ويغتاله. ويهرب من الحراس الذين تتبعوه، وفي الليل يصعد إيساو إلى جبل عال يطل على البحر ويقدم على الانتحار ببقر بطنه.

الجزء الثالث "معبد الفجر" تدور أحداثه على قسمين الأول في فترة وقوع الحرب العالمية الثانية من عام ١٩٤١ وحتى عام ١٩٤٥. والثاني يدور في عامين فقط هما عام ١٩٥٢ ثم بعد مرور ١٥ عاما أي في عام ١٩٦٧.
يذهب هوندا الذي بلغ السابعة والأربعين من العمر لزيارة أمير تايلاند في بانكوك وهو الذي كان على علاقة جيدة مع كيوأكي. وهناك يقابل الأميرة جين جان التي تقول إن روحها هي ميلاد جديد لرجل ياباني. وعندما ترى جين جان هوندا تقول إنها كانت تحن إلى لقائه وتعتذر عن الرحيل دون إبلاغه. وتقوم بالرد بإجابات صحيحة تماما عن اليوم الذي تم القبض فيه على إيساو، وتاريخ مقابلة هوندا وكيوأكي أمام أطلال بوابة حديقة قصر ماتسوغاي، وأظهرت بوضوح أنها فعلا الميلاد الجديد لكيوأكي، ولكن بعد ذلك وأثناء نزهة مع الأميرة، لم يجد هوندا في جانب بطنها الثلاثة شامات المميزة لكيوأكي. يسافر هوندا إلى الهند وهناك يخوض عدة تجارب روحية عميقة، ثم يعود إلى بانكوك حاملا هدايا لجين جان من الهند، فتتشبث به في الوداع باكية لكنه يعود إلى اليابان وفي قلبه مرارة الفراق، وتشب الحرب بين اليابان وأمريكا بعد عودته بأيام.
بسبب تجاربه في الهند وتناسخ روح صديقه، يغرق هوندا في عالم تناسخ البوذية وعالم نظرية الوعي فقط، أثناء الحرب ينهمك هوندا في كتب أبحاث البوذية المتعددة. في أحد الأيام وعند ذهابه في مهمة عمل يمد خطواته إلى أطلال قصر ماتسوغاي، فوجده قد احترق ولم يبق منه إلا بقايا محترقة، ولكنه يلتقي مصادفة بالخادمة تاديشينا التي بلغت من العمر عتيا. وأراد هوندا أن يقابل ساتوكو ولكنه لم يستطع ذلك بسبب صعوبة الأوضاع أثناء الحرب.
في القسم الثاني من الجزء الثالث، يحصل هوندا الذي بلغ من العمر الثامنة والخمسين على مبالغ طائلة بعد نجاحه في عمله في قضايا نزاع على ملكية أراض، فيبتاع أرضا في منطقة غوتنبا التي تطل على جبل فوجي ويبني فيها فيلا لسكنه. وتسكن بجواره كيكو هيساماتسو التي تبلغ حوالي الخمسين من العمر، وهي سيدة مترفة وتصبح صديقة لهوندا ومن أصدقائه الذين يترددون على فيلته ولكن هوندا كان يتلهف على مجيء جين جان التي أصبحت في سن الثامنة عشر وأتت إلى اليابان للدراسة.
عندما قابل هوندا جين جان أبلغته أنها لا تتذكر أي شيء عن قولها في طفولتها أنها ميلاد جديد لروح صديقه كيوأكي. رغم فارق العمر الكبير وقع هوندا في عشق جين جان التي صارت جميلة وجذابة. بسبب عشقه لها يقوم هوندا بالتلصص عليها في غرفتها في فيلته من خلال ثقب في الجدار، فيجدها تتعانق عارية مع كيكو، ولكن ما أدهشه هو وجود ثلاثة شامات بجنب البطن. ولكن بعد ذلك يقع حريق في الفيلا، وتعود جين جان إلى بلادها وتنقطع أخبارها. بعد خمسة عشر عام يذهب هوندا لحضور حفل في السفارة الأمريكية بطوكيو وهناك يقابل امرأة تشبه جين جان تماماً. ويعرف أنها تؤامها وتبلغه أن جين ماتت في العشرين من عمرها عندما لدغها ثعبان من نوع الكوبرا في حديقة منزلها.
الجزء الرابع والأخير من رباعية "بحر الخصوبة" هو "سقوط الملاك"، وترجمة العنوان بالعربية هو ترجمة مباشرة للعنوان باللغة الإنجليزية المنقول عنها النسخة العربية، ولكن عنوان الرواية باللغة اليابانية عبارة عن تعبير ديني ينتمي للبوذية هو باللغة اليابانية، (تن نين غو سوي) ويشير إلى الأعراض التي تعتري ساكن السماء في أعلى عالم من عوالم التناسخ، عند يقترب منه الموت ويوشك على الانتقال من حياته في علياء السماء إلى عالم آخر غير معروف ربما يكون السماء مرة أخرى أو الأرض في صورة بشر أو ربما تحت الأرض في صورة شياطين.
أحداث الجزء الأخير من عام ١٩٧٠ وحتى صيف عام ١٩٧٥ ونلاحظ أن ميشيما يتحدث في تلك الفترة عن الحياة في المستقبل القريب، بل وبعد رحيله هو عنها (وهو ما نزعم أنه يعرف ذلك).
هوندا الذي بلغة من العمر السادسة والسبعين، رحلت عنه زوجته، فأصبح كثير السفر، مرات كثيرة وحيدا ومرات أخرى مع صديقته كيكو هيساماتسو التي قاربت السبعين من العمر. وفي إحدى رحلاته قابل هوندا فتى في السادسة عشر من عمره يدعى تورو ياسوناغا يعمل في ميناء شيميزو كعامل إشارة للسفن. يعتقد هوندا أن تورو هو ميلاد جديد لروح صديقه كيوأكي بعد أن يشاهد الثلاثة شامات في جانب بطنه الأيمن، فيقوم بتبنيه ويربيه تربية العظماء من حيث التعليم ويأدبه بأدب راقي كي لا يموت صغيرا كما حدث مع كيوأكي وإيساو
ولكن يشعر هوندا أن تورو يشبهه تماماً في تركيبة الوعي الذاتي، ولذا يشعر أنه ليس تناسخ حقيقي لروح كيوأكي. ويتحول تورو تدريجيا الي الشر، ويسقط خطيبته موموكو في الخطيئة ثم يفسخ خطوبته معها. وبعد أن يلتحق بجامعة طوكيو القومية يبدأ في الاضرار بهوندا والده بالتبني الذي بلغ الثمانين من العمر.
وبسبب الضغط النفسي الواقع على هوندا من تعذيب تورو له يعود مرة أخرى لعادة التلصص على العشاق في الحدائق العامة التي كان قد تاب عنها منذ أكثر من عشرين عاما. ويتم القبض عليه من الشرطة بسبب ذلك وينشر ذلك الأمر في إحدى المجلات الأسبوعية. وينتهزها تورو فرصة لكي يقوم بمحاولة وضع هوندا تحت الحجر العقلي ليصبح هو الحاكم الآمر في ممتلكات العائلة. فتقوم كيكو هيساماتسو التي تخمن فعل تورو باستدعائه وإبلاغه بسبب تبني هوندا له وحكاية الثلاث شامات وموضوع التناسخ، وتنعته بالابن المزور. تورو الذي انجرحت كرامته بشدة يستعير مذكرات الأحلام من هوندا ويقرأها ثم يقدم على الانتحار بتجرع السم في الثامن والعشرين من ديسمبر. تفشل محاولة الانتحار ولكنه يفقد بصره بسببها. بعد ذلك يتعلم تورو طريقة برايل في القراءة ويعيش حياة هادئة تتغير فيها شخصيته تماماً ويتزوج من فتاة عنيفة المزاج تسمى كينوئه ويصبح ألعوبة في يدها وكأنه إنسان السماء الذي بدأت عليه أعراض الشيخوخة والموت. من جانب آخر هوندا الذي توقع موعد موته يذهب إلى معبد غيشوجي في نارا لملاقاة ساتوكو بعد فراق لمدة ستين عاما. وهنا في نهاية النهاية يحطّم ميشيما تماما العالم الذي بناه خلال الأربعة أجزاء. فحبيبة كيوأكي السابقة ساتوكو أياكورا التي بلغت الثانية والثمانين من العمر وأصبحت كبيرة رهبان معبد "غتسوشوجي" التابع لطائفة "الوعي فقط" أو "يوغاكارا" (Yogācāra)، تقول لهوندا ما يلي:
"لم يسبق لي السماع عن شخص باسم "كيوأكي ماتسوغاي" من قبل. ألا تعتقد أن هذا الشخص لم يكن له وجود من الأصل؟ ربما جاءك أنت إحساس بوجوده، ولكن الواقع أنه من البداية لم يكن له وجود في أي مكان، ألا تعتقد أن تلك هي حقيقة الأمر؟"
في يوم من أيام الصيف الحار، هوندا الذي يرى أمامه حديقة في غاية الهدوء يشعر أنه جاء إلى الفراغ.

يقول ميشيما عن روايته بحر الخصوبة: "بعد أن أصبحت روائيا، كنت على الدوام أرغب في كتابة رواية لتفسير هذا العالم". يمكننا القول إن تلك الرواية بالفعل شكلت وجهة نظر ميشيما تجاه هذه الدنيا.
جعل ميشيما من فلسفة "الوعي فقط" في البوذية المسماة باللغة السنسكريتية "ماتراتا" أو (maatrataa) خطا مساعدا لشرح أحداثها، وجعلها أفضل وأنسب كتاب للتعريف بمبادئ البوذية وفلسفة الفراغ.
البوذية بها العديد من الطوائف، ولكن هناك طائفة هي مجرد تعاليم فقط، فليس لها أتباع وليس لها مقابر خاصة بها. وهي طائفة الوعي فقط المسماة باللغة السنسكريتية "يوغاكارا" (Yogācāra) وباللغة اليابانية "يويشيكي" أو (yuishiki). هذه الطائفة التي يستحيل وجودها من وجهة النظر الدينية الغربية العادية، هي طائفة تتمسك بتعاليم الديانة البوذية الجذرية. أحد المواضيع الهامة والأساسية لرواية "بحر الخصب" هي التفسير الكامل لطائفة "يوغاكارا" (Yogācāra) البوذية.
أغلب النقاد والقراء حتى الآن يعتقدون أن رواية "بحر الخصوبة" هي رواية عن تناسخ الأرواح فقط. ولكن الأمر ليس كذلك.
يصمم ميشيما الأجزاء الثلاثة الأولى من تركيبة الرواية وكأنها رواية عن تناسخ الأرواح.
إذا فسرنا كلمات ساتوكو الأخيرة تفسيرا صحيحا، وفهمنا المعنى الحقيقي لحرق تورو يوميات أحلام كيوأكي التي كان هوندا يحتفظ بها باهتمام بالغ، نستطيع فهم أن ما يريد ميشيما قوله هو إن روح الإنسان لا يحدث لها تناسخ أو إعادة ولادة.
وبهذا الشكل في نهاية النهاية ينكر ميشيما بكل وضوح تناسخ وتوالد الأرواح، وهنا تظهر بوضوح "نظرية الوعي فقط" التي جعلها ميشيما محور رواية بحر الخصوبة.
"نظرية الوعي فقط" هي تعاليم في منتهى الصعوبة على الأفهام وهي الأساس لتعليم اليوغا المنتشرة في العالم. وهي في كلمة واحدة "كل الأشياء تتقلب وتتغير"، كل شيء يتغير ويتحوّل ولا يوجد إلا الوعي بها فقط.
منطق الفراغ في البوذية يقوم على أن كل شيء مؤقت وله علاقة ببعضه ولكن لا يوجد في الواقع أي وجود فعلي حقيقي.
الخلاصة هي أن ميشيما الذي أنكر تناسخ الأرواح، ترك للقراء حل التساؤل: ما هو إذن الشيء الذي يتوالد ويتغير ويُبعث من جديد؟
*المصادر:
1.      بحر الخصوبة أربعة مجلدات باللغة اليابانية صدر عن دار نشر "شين تشو".
2.      بحر الخصوبة أربعة مجلدات باللغة العربية صدر عن دار الآداب اللبنانية.
3.      كتاب "مبادئ الأديان لليابان" باللغة اليابانية تأليف: د. ناوكي كومورو.
4.      مواقع وصفحات باللغتين العربية واليابانية على شبكة الإنترنت.


الخميس، 6 يونيو، 2013

القضية ليست صدام حضارات

القضية ليست صدام حضارات

 بقلم العالم الياباني:  د. ناوكي كومورو
 ترجمة: ميسرة عبد الراضي عفيفي

(مقدمة من المترجم : الدكتور ناوكي كومورو عالم موسوعي يبلغ من العمر 73 عاما له العديد من الدراسات  والأبحاث في كافة فروع المعرفة.  اكتسب شهرته المدوية في اليابان والعالم في بداية الثمانينات عندما تنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتي في دراسة نشرها في أغسطس من عام 1980 تحت عنوان "انهيار  الإمبراطورية السوفيتية".  كتب دراسة عن حرب الخليج الأولى المسمى بحرب تحرير الكويت تحت عنوان "انتقام العرب" مهاجماً فيها الطريقة الأمريكية في معالجة الأزمة. في أكتوبر من عام 2000 نشر دراسته القيمة "أصول الأديان لليابانيين" وهي دراسة في مقارنة الأديان قارن فيها الديانات الأربع الكبرى في العالم وهي  المسيحية والإسلام والبوذية والكونفوشية وتوصل إلي أن الإسلام هو الدين الأكمل بينها وأن الإسلام هو النموذج الأمثل لما يجب أن يكون عليه الدين. ((نشرت جريدة الشعب الإلكترونية الفصل الخاص بالإسلام الذي ترجمه كاتب هذه السطور تحت عنوان " الإسلام هو الدين الحق" في عددها الصادر في 8 يوليو 2005)).
ثم وقعت الواقعة وزُلزل العالم أو أريد له أن يُزلزل بأحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. وأعلن العالم  غربه وشرقه الحرب على الإسلام بحجة الحرب على الإرهاب. ولم تكن اليابان بعيدة عن ذلك.  وبدأ الإعلام  الياباني ينقل من الإعلام الغربي الصورة كما هي دون توضيح أو شك في أنها الصورة الصادقة. ساء ذلك كاتبنا  كثيراً فأصدر في مارس عام 2002 كتاباً تحت عنوان "مبادئ الإسلام لليابانيين" دافع فيه عن الإسلام وفند الصورة الخاطئة التي يريد الغرب أن يجعلها هي الإسلام.
 المقالة هذه هي آخر سبع صفحات من هذا الكتاب في آخر فصول الكتاب تحت عنوان "معاناة الإسلام في العصر الحديث". أما العنوان أعلاه فهو من عندي.  م.ع ).

التعامل مع حركات الصحوة (الإسلامية) على أنها هوس ديني يعبر عن جهل أمريكا:

ما جعل الفاندمنتاليزم (الأصولية المسيحية) تشتهر بشدة هي المونكي ترايال أو ما يمكن ترجمته محاكمات القرد.
وهي المحاكمات التي تتعلق بنظرية التطور.
أحد معلمي المدارس الثانوية في الولايات المتحدة الأمريكية درّس لطلابه في المدرسة دروساً تعلمهم نظرية النشوء والارتقاء مما جلب عليه غضب أولياء الأمور وانتهى الأمر بفصله من وظيفته، فرفع هذا المدرس قضية مطالباً  اعتبار هذا الفصل فصل تعسفي وبإعادته إلى عمله. هذه هي البداية.
في هذه المحاكمة القضية التي أصبحت محل النزاع بلا جدال هي ماذا يقول الكتاب المقدس؟
الكتاب المقدس يقول إن الله هو خالق الإنسان. ومع هذا يأتي من يقول كلاماً فارغاً مثل إن القرد قد تطور فأصبح  إنساناً. من هنا جاءت اسم محاكمات القرد.
أول هذه المحاكمات حدثت في ولاية أركانصو في العشرينات من القرن الماضي، لكن اللافت للنظر هو تكرر هذا النوع من المحاكمات بعد ذلك أكثر من مرة.
مؤخراً في ثمانينات القرن العشرين حدث جدال واسع في أمريكا حول هل يجب تدريس نظرية التطور أم لا.
كما وضحنا الفاندمنتاليزم (الأصولية المسيحية) شئ وثيق الصلة بالنسبة للأمريكان. لذلك عندما رأوا الثورة الإيرانية لا شعورياً  أصدروا حكمهم السريع والجاهز بأنها نوع من أنواع الفاندمنتاليزم  (الأصولية المسيحية).
ونستطيع أن نتخيل أنهم في أعماق قلوبهم يحملون تصوراً خاطئاً مفاده أن"محاولة إعادة المجتمع الإسلامي الذي  كان موجوداً قبل أكثر من ألف عام هو شئ لا يفكر فيه إلا المهووسين الدينيين الذين يرفضون العلوم الحديثة.
بالفعل عندما حدثت الثورة الإيرانية قال الرئيس الأمريكي جيمي كاتر وكرر أقوال تستند على هذا التصور الخاطئ. كرر أكثر من مرة القول أن من قاموا بهذه الثورة هم أناس مجانين لديهم هوس ديني. أيضاً وسائل الإعلام الأمريكي والأوروبي كررت بث المعلومات التي تكونت من نفس التصور.
في الأصل الفاندمنتاليست (الأصولي) في المسيحية هو من يضع المشكلة في الإيمان القلبي فقط. الفاندمنتاليست  (الأصولي) في المسيحية هو من يؤمن بكل ما هو مكتوب في الكتاب المقدس كما هو.  أي أنه ليس للفاندمنتاليستس  (الأصوليين المسيحيين) أي قوانين خاصة بهم.
في المقابل، إذا نظرنا إلى الإسلام على أي وجه من الوجوه، لا سبيل فيه  إلى ظهور فاندمنتاليست (أصولي) يدعي أن من يؤمن فقط بالقرآن(دون عمل) سيفلح.
القرآن ذات نفسه يدعو المؤمنين به إلى الفعل الخارجي بمعنى أن القرآن يطالب بالمحافظة على أوامره ونواهيه.
وبذلك فظهور فاندمنتاليست (أصولي) على الطريقة المسيحية هو شئ غير وارد على الإطلاق في الإسلام. لكن الغربيين وخاصة الأمريكيين منهم لا يعلمون بدائيات البدائيات في الإسلام هذه، ثم يتعاملون مع حركات  الصحوة الإسلامية على إنها حركات لأناس متخلفين ومهوسين دينياً.
وبناء على هذا فإن عدم إعتراض العالم الإسلامي على هذه المعاملة يكون هو الشئ المستغرب.
إن المسلمين ليسوا مهاويس دينياً على الإطلاق. إنهم يعانون بجدية من وضعهم الراهن ويحاولون عمل حركة  تصحيحية تعود بهم إلى الأصول. وهو ما لا ينبغي تشبيهه بالأصولية المسيحية، بل يجب على العكس تشبيهم بجون  كالفن ومارتن لوثر.
بالطبع فيهم بعض المتطرفين . لكن التعامل مع حركات الصحوة الإسلامية جميعها على أنها كلها حركات تطرف، سيزيد حقد العالم الإسلامي على أمريكا ولن يحدث أي تفاهم بينهما أبداً.

حرب الخليج (تحرير الكويت) زادت من عقدة الحروب الصليبية لدى المسلمين:

المسلمون لديهم عقدة تسمى الحروب الصليبية.
هذه العقدة لازالت حتي الآن مستقرة في قلوبهم.
يعاني العالم الإسلامي حالياً ويتحرق جسده بسبب التناقض بين دخول العصر الحديث وبين العودة إلى الأصول.
ماذا فعل العالم الغربي إزاء ذلك؟
هل تفهم معاناة العالم الإسلامي هذه وحاول أن يقدم له يد المساعدة؟
هيهات.
هؤلاء المسيحيون ما فعلوه هو شئ شبيه بتكديس الملح في قلوب المسلمين الدامية.
حرب الخليج التي بدأت أحداثها عام 1990 كانت كذلك.
دراسة وتحليل هذا الحادث الضخم، عرضته في كتابي " إنتقام العرب" لذلك سأختصر التفاصيل هنا، لكن التصرف الذي قامت به أمريكا هو بالفعل السبب في تضخيم عقدة الحروب الصليبية لدى المسلمين.
ألا وهو وطئ الجيش الأمريكي الأراضي السعودية والبقاء فيها. بالنسبة للمسلم لا توجد إهانة أكبر من ذلك.
وذلك لأن السعودية توجد بها الأماكن المقدسة للمسلمين مكة والمدينة.
السعودية هذه وطئها جيش غير إسلامي، لا بل هو جيش مسيحي.
هذه صدمة لهم أكبر من صدمة الحروب الصليبية.
في الماضي حتى الجيوش الصليبية لم تجرؤ على الإقتراب من مكة أو المدينة. حقاً القدس ثالثة المدن المقدسة، لكن حرمتها لا تقارن أبداً بهاتين المدينتين مكة والمدينة.
الويل لأمريكا.
الويل لكل مسيحي.
لا داعي للقول أن كل مسلم لديه قلب، إنتشر داخله الحقد على أمريكا.
بعد ذلك أعلنت المنظمات الإسلامية المتطرفة بدء الجهاد ضد أمريكا.

نظرية صدام الحضارات  لن تُفهمنا القضية في وضعها الصحيح:

توجد فجوة بين الإسلام والغرب.
وهي فجوة عميقة وواسعة.
العالم الإسلامي يعاني من عقدة الحروب الصليبية، ويحاول بكل جهده البحث عن طريق العلاج منها. يعاني في الاختيار بين التحديث وبين العودة إلى الأصول، ولم يعثر على حل حتى الآن.
في حين أن الغرب ليس لديه أي علم بمعاناة العالم الإسلامي، ولا يحاول حتى معرفة ذلك. طبعاً لا مجال للحديث عن التعاطف مع المسلمين.
يظهر ذلك جلياً في زلة اللسان المشهورة للرئيس جورج بوش (الإبن) وقوله إنها حرب صليبية (كورسيد).
إنه يصف إرسال الجنود إلى أفغانستان بإرسال الجيوش الصليبية في الماضي.
الضبط كما يقولون ألقى زيتاً على النار، لا بل هو كمن ألقى خزانات ضخمة من الوقود على النار.
بالإضافة إلى أن الرئيس بوش الذي زل هذه الزلة الكبرى، والده هو الرجل الذي قرر إرسال الجيش الأمريكي إلى المملكة العربية السعودية.
السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية هدفها القضاء نهائياً على المسلمين، مثلما كان هذا هو هدف الحروب الصليبية. لا حيلة لأمريكا في الدفاع إذا ما اعتقد المسلمون ذلك. عقدة الحروب الصليبية زادت أكثر وأكثر.
بَيْد أن الحكومة الأمريكية المعنية بالأمر، لا تعرف أي شئ عن ما يحمله المسلمون في قلوبهم من مشاعر كهذه.
وهذا ما يُعقد القضية.
ويبدو مظهرها أنها تعتقد أنه أمام قوتها العسكرية الضخمة لن تأخذ حفنة مثل المسلمين المتخلفين في يدها غلوة.
وهو ما ينتج عنه نتيجة عكسية تماماً تتمثل في زيادة إستفزاز عقدة الحروب الصليبية فقط. كلما تفعل أمريكا ذلك كلما تحول العالم الإسلامي إلى عداءها أكثر وأكثر.
ويمكننا القول أنه لا يوجد الشئ الذي يمنع هذه الدائرة المفرغة إلا أن يدخل الرئيس الأمريكي ذات نفسه في الإسلام.
كما دخل التتار سابقاً في الإسلام، يدخل الرئيس جورج بوش في الإسلام. إذا فعل ذلك فستزول عقدة الحروب الصليبية لدى المسلمين أو على الأقل ستقل إلى درجة بعيدة جداً.
لكن بالطبع الأمريكي الذي ليس لديه أي معرفة بالإسلام، لا يستطيع الوصول بتفكيره إلى مثل هذا الحل العبقري.
إذن.
كاتب هذه السطور يعلنها مدوية.
حتى لو تم القبض على بن لادن، حتى لو تم القضاء على القاعدة وعلى كل التنظيمات المتطرفة ، لن ينتهي الصراع بين الإسلام وأمريكا ومعها الغرب.
مهما أستخدمتم من قنابل، لن تستطيعوا أن تزيلوا عقدة الحروب الصليبية التي توجد في داخل كل مسلم. وبالطبع لن تستطيعوا أيضاً أن تساعدوا العالم الإسلامي في حل المشاكل التي يعانيها.
صراع المجتمعات الغربية مع المجتمعات الإسلامية ليس مجرد "صدام حضارات".
إنه صراع تاريخي يتواصل لأكثر من الف عام، وله جذور عميقة جداً.
وعلى فرض أن أمريكا إنتصرت هذه المرة في "الحرب على الإرهاب" ، فهو ليس إلا إنتصار لحظي. ويجب على السادة القراء وضع هذه الكلمات في وعيهم وعدم نسيانها.
إسلام يعاني.
أمريكا تتغطرس.

متي ياترى يأتي اليوم الذي يتفاهمان.