الخميس، 25 ديسمبر، 2014

لماذا لا يضحك اليابانيون؟


الكوميديا "اليابانية"

ميسرة عفيفي

الانطباع السائد لدى جُل – إن لم يكن كل – زائري اليابان من الأجانب، هو جدية اليابانيين وعدم ميلهم للضحك أو المزاح، وأن ابتسامتهم المرسومة على وجوههم هي ابتسامة مصطنعة مفتعلة. ويظن الأغلبية أن اليابان لا يوجد بها فن الكوميديا، وإن وجد فهو فن حديث تقليدا للغرب وليس به ما يضحك على الأغلب. ويسألني كل الزائرون العرب لماذا لا يضحك الياباني ولا يتمازح أثناء لقاءاتهم معا؟ فتكون إجابتي هي أن اليابانيين مثل كل الشعوب وكل البشر يميلون للضحك والمزاح وإذا شاهدتهم قنوات التلفاز اليابانية ستجدون أغلبهم هي برامج الكوميديا بأنواعها وأن النسبة الكبرى من المشاهدة هي لبرامج الترفيه الخفيفة المضحكة، وأن فناني الكوميديا هم أشهر الفنانين وأكثرهم دخلا على مستوى اليابان. ولكن اليابانيين يختلفون في أنهم لا يخلطون الجد بالهزل، ولا يطعمون العمل بالمزاح والنكتة. وتجدهم قد أصابتهم الدهشة عندما يجدون أحد يهزل في العمل أو يخلط به المزاح، لذا هم يعتبرون تجهمهم وتكشيرة وجوههم أمام عملائهم وشركائهم في العمل هو أبلغ دليل عن جدية عملهم وإخلاصهم في تقديم أفضل ما لديهم. لذا لا يلاحظ الزائرون الحس الكوميدي لليابانيين، ولا حبهم للضحك والفكاهة. لأنهم يُظهرون ذلك بعيدا عن العمل وفي أوقات فراغهم التي ليس من بينها لقاءات العمل حتى لو كانت عشاء أو حفل خاص بالعمل مع أجانب.

السبب الآخر هو اختلاف الحس الكوميدي بين اليابانيين وغيرهم. فمن النادر في اليابان وجود "النكتة" اللاذعة السريعة التي تفجر الضحك بين مستمعيها. ولذلك لا يتفاعل اليابانيون مع "النكتة" التي يقولها لهم الأجانب (وخاصة العرب) لوجود اختلاف كامل بين ثقافتهم وثقافة الأخرين. حتى كلمة "نكتة" أو مزحة غير موجودة بهذا المعنى في اللغة اليابانية بل تُستخدم كلمة "جوك" (joke) الإنجليزية في التعبير عن "النكتة"، أما الكلمة اليابانية "جودان" (joudan) فهي لا تستخدم في العادة إلا بمعني سلبي. كما في قول "الأمر ليس مزحة"، أو "أرجوك لا تمزح" ... وهكذا.

مثلما يوجد في اليابان أنماط خاصة باليابانيين في الأدب والشعر مثل الواكا (waka) والهايكو (haiku)، وفي المسرح في مثل الكابوكي (kabuki) والنو (noh) لا توجد إلا في اليابان، توجد كذلك أيضا أنواع من الكوميديا خاصة باليابان ولا توجد إلا بها، وربما لا يتذوقها ويستمتع بها إلا اليابانيين. وسأتكلم هنا عن نوعين من أنواع الكوميديا اليابانية هما "المانزاي" (manzai)، ثم "الراكوغو" (rakugo).

فن المانزاي تاريخه أقدم من الراكوغو إذ يقال إن هذا النوع من الفنون بدأ منذ قديم الزمان، والأرجح أنه يعود إلى عصر هييان (794 م ~ 1192 م) وكان عبارة عن اثنين من الفنانين الذين يدورون على بيوت الناس للتهنئة بالعام الجديد، فيقوم أحدهما بالقرع على طبلة يابانية ويرقص الآخر على نغمات الطبلة. وتطور هذا الفن بعد ذلك خاصة في عصر إيْدو (1603 ~ 1868) ليحتوي العرض على حديث متبادل بين الاثنين. وفي ثلاثينيات القرن الماضي اتخذ فن المانزاي الشكل الحالي الذي هو عليه الآن. وهو أن الاثنين يقفان أمام الجمهور بملابس عصرية حديثة وبينهما ميكروفون ويتبادلان حديثا مضحكا. ولكن كما كانت البداية وهي أن لكل منهما وظيفة يختص بها، فكان في الماضي أحدهما يقرع الطبل والآخر يرقص على نغماتها. الآن أيضا في الحوار الدائر بينهما لكل منهما دور يقوم به مختلف عن الثاني. فأحدها ويسمى "بوكِه" (boke)، دوره أن يقول كل ما غريب وشاذ وغير متوقع ولا متخيل ردا على أسئلة زميله أو تعليقا على ما يقول، ويكون ذلك هدفه بالأساس انتزاع الضحكات من الجمهور. أما الآخر ويسمى "تسوكّومي" فيكون دوره هو إعادة زميله إلى جادة الصواب وتصحيح ما يقوله أو تنبيهه إلى الخطإ الذي يقوله بطريقة فكاهية لاذعة. وبالطبع الهدف الأساسي هو إظهار ما في قول زميله الـ "بوكه" من غرابة ولا معقولية ليزيد من جرعة الضحك عند الجمهور، بتوضيح شدة التباين بين الاثنين. ومن المعتاد أن يرفع الـ "تسوكّومي" يده على الـ "بوكه" ضاربا إياه على رأسه أو كتفه أو رأسه عندما يتخطى الـ "بوكه" الحد المعقول في قوله الغريب والشاذ، كأن يخرج عن النص أو يلفظ قولا قبيحا أو يقول ما لا يصح قوله على الملأ، فيزيد ذلك من جرعة الضحك أكثر وأكثر لدى المشاهدين.

ومن الجدير بالذكر أن المخرج الياباني العالمي "تاكيشي كيتانو"، الذي فاز بجوائز عالمية كبرى مثل جائزة مهرجان كان وجائزة مهرجان فينيسيا، هو في الأصل كوميديان من فناني المانزاي وكان يكوّن مع زميل له ثنائي مانزاي باسم "تو بيت" حيث اسمه الفني بيت تاكيشي واسم زميله بيت كيوشي.

 

ونأتي الآن إلى فن "راكوغو" وراكوغو هي كلمة ترجمتها الحرفية هو "سقط الحديث"، وتشير إلى قص حكاية فكاهية تثير ضحك المستمعين ولكنها في النهاية لها مغزى أو حكمة. ويقال إن هذا النوع من الفنون بدأ في عصر إدو (1603 ~ 1868م) ويستمر حتى الآن في الشكل العام بدون تغيير تقريبا. وهو عبارة عن فنان واحد يمكن تسميته الحكواتي يجلس فوق وسادة مربعة تسمى باليابانية "زابوتون" مرتديا الزِّي الياباني التقليدي، ويكون المسرح في غاية البساطة فليس به إلا طاولة صغيرة يضعها أمامه، ويمسك بمروحة ورقية يستخدمها في الدق على الطاولة لاستثارة انتباه الجمهور أو لأحداث مؤثرات صوتية تتناسب مع المشهد الذي يحكيه من الحكاية. ويستخدمها كذلك كأداة تناول الطعام "الهاشي"، لو استدعى الأمر تمثيل مشهد به تناول الطعام. وغالبا ما تكون الحكاية المضحكة التي يحكيها متشعبة وبها شخصيات عديدة ولكن الحكواتي هو الذي يقول كل الحوارات بين الشخصيات المختلفة مستخدما مهارته في تغيير نبرة صوته ليتقمص دور شخصيات الحكاية جميعا، وفي نهاية الحكاية لا بد من وجود ما يسمى "أوتشي" باللغة اليابانية وهي معناها الحرفي سقط، ولكن لها معنى آخر وهو مغزى أو حكمة ففي النهاية تنتهي الحكاية بذلك المغزى أو تلك الحكمة التي يريد الحكواتي إيصالها للناس.

 

وإليكم مختصر لإحدى الحكايات المضحكة من تلك التي يحكيها الحكواتي.

توجد ثلاثة مطاعم متراصة بجانب. بعضها البعض وتقدم نفس الطعام والمنافسة بينهم شديدة، فكر صاحب المطعم الذي على أحد الجانبين في كيفية الاستحواذ على عدد أكبر من الزبائن فهداه تفكيره إلى أن يضع لافتة ضخمة على المحل مكتوب عليها "أفضل مطعم في اليابان". وبالفعل أتت الفكرة بثمارها وحاز ذلك المطعم على عدد أكبر من الزبائن. وعندها فكر المطعم الذي على الجانب الأكبر فوضع على محله لافتة بنفس الحجم وكتب عليها "أفضل مطعم في العالم" وبهذا جاءه عدد أكبر من الزبائن. ففكر صاحب المحل الثالث الذي يقع بين المحلين في كيفية التغلب على منافسيه وجلب عدد أكبر لمطعمه. أخيرا هداه تفكيره إلى تعليق لافتة أضخم على محله وكتب عليها:
"باب الدخول من هنا".

المصدر الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الإماراتية:
http://www.alittihad.ae/details.php?id=115522&y=2014

 

 

 

ليست هناك تعليقات: