السبت، 20 سبتمبر، 2014

من قتل هيتوشي إيغاراشي؟ - القضية أقفلت بسبب التقادم والقاتل طليق


ميسرة عفيفي

مشهد أول
في الساعة الثانية بعد ظهر العاشر من رمضان عام 1393 الموافق السادس من أكتوبر عام 1973 قامت قوات الجيش المصري بعبور قناة السويس وتحطيم خط برليف على عدة محاور والاشتباك مع العدو الصهيوني في معارك دامية برا وجوا، مكبدة له خسائر فادحة على كل المستويات. مما جعل الحكومة الأمريكية تأخذ قرارا بمد جسر جوي بينها وبين إسرائيل من أجل تعويض الخسائر التي أصابت على عدة جبهات الجيش الأقوى في الشرق الأوسط والذي كان يوصف بأنه الجيش الذي لا يقهر.
عندها اجتمعت كلمة القادة العرب ربما للمرة الأولى معربين عن تأييدهم الكامل لمصر ولدول المواجهة مع العدو الصهيوني. وفي الرابع والعشرين من شهر رمضان 1393 الموافق للعشرين من أكتوبر 1973 قررت الدول العربية المصدرة للنفط استخدام البترول كسلاح لأول مرة في معركتهم ضد عدوهم، وأخذت تلك الدول قرارا تاريخيا بمنع تصدر النفط العربي لأية دولة تؤيد إسرائيل أو تدعمها.

مشهد ثاني
في السادس عشر من نوفمبر لعام 1973 يجتمع مجلس الوزراء الياباني برئاسة رئيس الوزراء كاكوئيه تاناكا في طوكيو لبحث تداعيات قرار وقف تصدير النفط العربي على الأمة اليابانية والمجتمع الياباني بعد أن انتشرت الشائعات في عموم الدولة اليابانية بالوقوع في أزمة اقتصادية طاحنة وحدوث شح في المواد البتروكيماوية مما نتج عنه تكالب الشعب على تخزين تلك المواد ووقوفهم في طوابير لا تنتهي من لأجل الحصول على المواد التي توقعوا نفاذها من الأسواق بسبب قلة النفط وكانت أشهر هذه المواد هي أوراق التواليت التي لا يستغنى عنها اليابانيون لقضاء حاجتهم لأنهم لا يستخدمون الماء في الطهارة من الحدث. اتخذ مجلس الوزراء عدة قرارات لمواجهة الأزمة وأحد هذه القرارات هي البحث عن بديل ولو مؤقت للدول العربية لكي تستورد اليابان منه النفط بأسعار معقولة بعد عقد اتفاقية استراتيجية معه، وكانت إيران الشاهنشاهية هي الدولة المقترحة. وبالفعل تم توقيع عدة اتفاقيات بين الدولتين في عام 1974 وكانت إحدى هذه الاتفاقيات هي اتفاقية لتشجيع التبادل السياحي بين البلدين، وبالتالي إلغاء شرط الحصول على تأشيرة دخول موطني إحدى البلدين إلى الأخرى بغرض السياحة، والسماح لمن يحمل جواز سفر إحدى البلدين بالدخول للدولة الأخرى دون تأشيرة والبقاء فيها للسياحة لمدة ثلاثة أشهر.

مشهد ثالث
في الأول من فبراير عام 1979 يعود الإمام الخميني إلى طهران ليقود آخر مرحلة من مراحل الثورة الإيرانية ضد الشاه محمد رضا بهلوي وبقايا حكمه، ليتم في الأول من أبريل إجراء استفتاء شعبي عام على جعل إيران جمهورية إسلامية يقودها روح الله الخميني. وتبدأ الدولة الجديدة في تدعيم أركانها باستبعاد كل من يعارض التوجه الجديد للدولة ممثلا في قائدها الأعلى، وبدأ ما سُمّي بالثورة الثقافية فتم إعدام عدد كبير من جنرالات الجيش السابقين، وتم غلق الجامعات لفترة مؤقتة، وإبعاد آلاف الضباط عن الجيش وعشرات الآلاف من المدرسين عن التدريس.
وبدأت أعداد كبيرة من الإيرانيين الذين كانوا يؤيدون الخط الذي كانت تسير عليه الدولة في عهد الشاه في البحث عن بلد يهاجرون إليه بعد سيطرة الثورة الإسلامية الشيعية على مقاليد الحكم وبدأت تضيق الخناق على المخالفين لأفكارها حتى أولئك الذين قاموا بالثورة مع التيار الإسلامي من تيارات ثورية غير إسلامية. وهاجر الكثير من هؤلاء إلى العالم الغربي سواء أوروبا أو أمريكا. ووجد جزء من أولئك الذين لم يرضوا بما آلت إليه الثورة من حكومة إسلامية متشددة في نظرهم، وجد فرصة في الاتفاقية التي بين بلدهم واليابان السابق ذكرها، فشدوا الرحال إلى طوكيو وغيرها من المدن اليابانية التي استقبلتهم في فترة استثنائية من تاريخ اليابان يطلق عليها فترة ازدهار اقتصاد الفقاعة. وهي الفترة من عام 1986 حتى عام 1991.

مشهد رابع
بعد عقدين كاملين من النمو الاقتصادي المتسارع منذ منتصف الستينات وحتى منتصف الثمانينات وصلت اليابان إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى وحققت نهضة صناعية واقتصادية حقيقية أدت إلى زيادة مطردة في الدخل القومي وبالتالي الدخل الفردي للمواطنين مما زاد من كمية الأموال الموجهة للاستثمار ولكن بسبب ارتفاع سعر الين الياباني تدريجيا بعد إجبار اليابان على تحرير سعر الصرف، ولأسباب عديدة أخرى تقلصت إمكانية زيادة الاستثمارات بالطرق الطبيعية وهي بناء المصانع وزيادة التصنيع والإنتاج. فاتجه الجميع سواء الأفراد أو المؤسسات إلى الاستثمار في العقارات والأراضي والأسهم والسندات وغيرها من أشكال الاستثمار غير المنتج. مما أدى إلى زيادة غير حقيقية في أسعار تلك الأشياء فزاد الطلب عليها أكثر وزادت أسعارها أكثر وأكثر، فوصل سعر المساحة التي داخل نطاق خط يامانوتيه الدائري للسكك الحديدية في مركز طوكيو والتي تبلغ 63 كيلومتر مربع، إلى سعر يمكن به شراء مجمل أراضي الولايات المتحدة الأمريكية. وحدث انتعاش اقتصادي غير حقيقي جعل اليابانيين لديهم فائق في الأموال مما جعلهم أيضا لا يرغبون في العمل في الأعمال التي توصف دائما في اليابان بأعمال الثلاثة "K" هو الأعمال الشاقة والخطرة والقذرة وهذه الصفات الثلاثة تبدأ بحرف "K" في اللغة اليابانية، وأدى ذلك لتهاون الحكومة مع وجود عمالة أجنبية غير شرعية لكي يقوموا بالعمل بهذه الأعمال التي ابتعد عنها اليابانيون للأسباب السالفة الذكر.

مشهد خامس
يتجمع في حديقة يويوغي التي تقع بجوار معبد ميجي الكبير بمدينة طوكيو، أعداد كبيرة من المقيمين غير الشرعيين، الأغلبية العظمى منهم إيرانيين دخلوا اليابان بناء على الاتفاقية التي تسمح لمن يحمل الجنسية الإيرانية بالدخول إلى اليابان للسياحة لمدة ثلاثة أشهر، ويعمل الكثير منهم في أعمال مشبوهة في نطاق منطقة رمادية قانونيا، بل وعدد منهم كذلك يعمل بشكل صريح في أعمال الجريمة المنظمة كبيع المخدرات وتزييف بطاقات الهاتف والعملات المعدنية المستخدمة في آلات البيع الإلكترونية. ولكن في عام 1992 ألغت اليابان اتفاقية التبادل السياحي المشار إليها بينها وبين إيران لأسباب عديدة أشهرها هي الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي أصابت اليابان وجعلت نسبة البطالة ترتفع وبالتالي شدّدت الحكومة اليابانية قبضتها على المقيمين غير الشرعيين الذين يعملون بشكل غير قانون وشددت من العقوبات على المخالفين. فقل عدد الأجانب المقيمين بشكل غير شرعي في البلاد وخاصة الإيرانيين ليصبح عدد الإيرانيين المقيمين في اليابان يزيد قليلا على الأربعة آلاف (إحصائية وزارة الخارجية اليابانية لعام 2010) بعد أن كان يقدر عددهم في وقت الذروة بأكثر من أربعين ألفا في كل أنحاء اليابان.

مشهد سادس
في الحادي عشر من شهر يوليو عام 1991، يقف د. هيتوشي إيغاراشي الأستاذ المشارك بجامعة تسوكوبا القومية وحيدا في بهو مبنى الأبحاث المكون من سبعة طوابق والخاص بدراسات الاجتماع والإنسانيات الذي يعمل به د. إيغاراشي، ينتظر المصعد بعد انتهائه من عمله ذلك اليوم، وفجأة يأتي شخص من خلفه حاملا آلة حادة يطعن بها د. إيغاراشي عدة طعنات نافذة حتى يرديه قتيلا، ثم يفر هاربا من المكان دون أن يراه أحد. ولا يتم اكتشاف جثة د. إيغاراشي إلا صباح اليوم التالي.
كان د. إيغاراشي قد ولد عام 1947 في محافظة نييغاتا بشمال اليابان، وتخرج من جامعة طوكيو القومية أفضل جامعات اليابان عام 1970 في قسم الرياضيات بكلية العلوم، ولكنه حول تخصصه بعد ذلك إلى الدراسات الإنسانية لينهي دراسة الدكتوراه عام 1976 من نفس الجامعة في تخصص عام الجمال والفنون، ثم يسافر إلى إيران في نفس العام ليعمل كباحث في الجمعية الإيرانية الشاهنشاهية للفلسفة حتى قيام الثورة الإسلامية في عام 1979، ليعود إلى اليابان في نفس العام ويواصل دراساته وأبحاثه حول الإسلام وخاصة مرحلة النهضة الإسلامية وعلاقتها بنقل العلوم والفنون من اليونان إلى أوروبا، ويصدر مؤلفات عدة مثل "أبحاث ابن سينا – طب الشرق ومعرفته"، و"عصر النهضة الإسلامية"، و"الموقف المتأرجح سوف يقضي على اليابان – هل نحتاج العرب أم لا نحتاجهم؟"، ويقوم بالاشتراك مع أخرين بترجمة "موسوعة الطب" لابن سينا، وأخيرا في عام 1990 يقوم د. إيغاراشي بترجمة رواية "آيات شيطانية" لسلمان رشدي التي صدرت عام 1988 والتي أثارت جدلا واسعا ولاقت استهجان واستياء الغالبية العظمى من المسلمين وبسببها أصدر الإمام الخميني في فبراير من عام 1989 فتوى بإهدار دم مؤلفها سلمان رشدي الذي يعيش منذ ذلك الحين متخفيا لا يظهر علانية إلا في حماية مشددة من الشرطة.

مشهد سابع
تقلع ظهر الثاني عشر من شهر يوليو عام 1991 طائرة من مطار ناريتا شرق طوكيو عليها شاب بنغالي يرحل من اليابان فجأة وبدون مقدمات بعد أن جاء منذ فترة قصيرة ليدرس في جامعة تسوكوبا، عائدا إلى دكا عاصمة بلاده بنغلاديش دون أن يخبر أحد أو يودعه أحد من أصدقائه أو معارفه.

مشهد أخير
الشرطة اليابانية تعقد مؤتمرا صحفيا تعلن فيه عدم توصلها لأية قرائن أو أدلة تساعد في الوصول إلى معرفة الجاني الذي قام بطعن د. إيغاراشي وتلمح إلى اكتشافها بضعة أوراق في مكتب د. إيغاراشي بالجامعة بها أربعة سطور يُعتقد أن د. إيغاراشي قد كتبها بنفسه باللغة اليابانية واللغة الفرنسية يقول في الجزء الفرنسي منها: "سأقُتل تحت بئر السلم"، مما يعني أن د. إيغاراشي كان يشعر بمن يتربص به ويريد قتله. لكن الشرطة قالت إنها لا تستطيع أن تحدد هوية القاتل أو أسباب القتل وإنها لا تستبعد أن تكون مشاكل شخصية هي التي وراء الجريمة. ولكن حتى هذه اللحظة لم يتم توجيه الاتهام إلى أحد. وفي الحادي عشر من يوليو 2006 أعادت الشرطة مقتنيات الضحية التي كانت ضمن أحراز القضية إلى أهل القتيل بسبب مرور خمسة عشر عاما على وقوعها وانتهاء المدة القانونية لمقاضاة الجاني لو كان يعيش طوال تلك الفترة داخل اليابان، أما لو كان خارج اليابان فتخصم فترة وجوده خارج اليابان من فترة الخمسة عشر عاما حسب قانون العقوبات الياباني.


المصادر: عدة مواقع باللغة اليابانية على الإنترنت.

جريدة الاتحاد الإماراتي الملحق الثقافي
http://www.alittihad.ae/details.php?id=79131&y=2014&article=full

الخميس، 11 سبتمبر، 2014

أفكار تتزيّن بالأقراط والثعابين

نموذج من الاتجاهات الأدبية عند الروائيين اليابانيين الشبّان

أفكار تتزيّن بالأقراط والثعابين


تاريخ النشر: الخميس 04 سبتمبر 2014
ميسرة عفيفي
* «هيتومي كانيهارا» تقود أبناء جيلها ضد نواميس المجتمع
* حبكة روائية غريبة عن إعادة تشكيل الجسد
هيتومي كانيهارا أديبة يابانية شابة ولدت في 8 أغسطس من عام 1983 وتبلغ حاليا الثلاثين من العمر.
 
 
فازت كانيهارا بعدة جوائز أدبية رفيعة منها جائزة أكوتاغاوا الشهيرة وحصلت عليها في عام 2004 مناصفة مع الأدبية ريسا واتايا، وكانتا وقتها أصغر من حصل على تلك الجائزة المرموقة، إذ كانت واتايا في التاسعة عشرة من العمر وكانت كانيهارا في العشرين في عمرها.
تعتبر كانيهارا حاليا أكثر الأدباء اليابانيين الشباب الذين تتسلط عليهم أنظار النقاد بوصفهم أفضل من يعبر عن الحركة الأدبية اليابانية في الألفية الثالثة.
وتترجم أعمالهم إلى العديد من اللغات الأجنبية.
تعتبر هيتومي كانيهارا ظاهرة غريبة بين الأدباء الشباب الحاليين في اليابان، فرغم أن والدها أستاذ في جامعة مشهورة في اليابان، وهي جامعة هوسيه وهو متخصص في دراسة أدب الأطفال، ومترجم شهير، إلا أنها تركت الدراسة رسميا في المرحلة الثانوية، وتقول إنها لم تذهب للمدرسة تقريبا منذ سن العاشرة، أي منذ كانت في الصف الرابع الابتدائي.
وإن كانت قد التحقت كطالبة مستمعة بالحلقة الدراسية (سيمينار) لوالدها في الجامعة وهي في سن الخامسة عشرة.
بداية مبكرة
وبدأت كانيهارا كتابة الروايات في سن الثانية عشرة، وهي السن التي ذهبت فيها مع والدها إلى الولايات المتحدة الأميركية بسبب عمله هناك، ورجعت إلى اليابان بعد قضاء عام في سان فرانسيسكو.
تعتبر حياة كانيهارا الشخصية مليئة بالأحداث والمعاناة لدرجة إدمانها في سن الخامسة عشرة من عمرها عادة قطع الرسغ (وهي عادة تعبر عن رغبة الشخص في إيذاء نفسه بجرح الرسغ بسكين أو موسى وإن لم تصل إلى الحد الذي يؤدي إلى الانتحار).
وترتبط هذه العادة عامة بإدمان الخمر أو المخدرات أو كلاهما معا.
أما في حالة كانيهارا فلا يعرف مدى وقوعها في تلك العادات السيئة، وإن كان محتوى رواياتها ينم على معرفتها بتفاصيل دقيقة عن العالم السفلي للشباب الياباني في العصر الحالي وخاصة عصر ما بعد بداية الألفية الثالثة.
حيث ابتعد الشباب الياباني رويدا رويدا عن تقاليد بلده العريق واقترب كثيرا من الثقافة الغربية الحديثة، حيث لا وجود لقيود أو حدود على التصرفات إلا ما يفرضه القانون الوضعي الذي يتغير ويتبدل مع مرور الأيام والأعوام.
ورغبة الشباب عامة بتحدي أي قانون وأي قواعد.
إلا أن الملاحظ في روايات كانيهارا أن شخصيات الشباب ليس بها أية تعقيدات نفسية أو خلل اجتماعي أسري يدعو إلى تلك السلوكيات التي تبتعد عما هو مألوف في المجتمع الياباني، بل هي تنقل ما يعيشه الشباب بلا أي محاولة لإظهار أن ذلك غير طبيعي، أو أن هناك وراء تلك التصرفات أسباباً ما دعت شخصيات الرواية إلى تلك التصرفات.
ربما لأنها ترى أن ذلك هو الطبيعي وأن اختلاف سلوك البشر وأخلاقهم أمر لا مفر منه مع مرور الزمن وتتطور المجتمعات.
رأي مخضرم
على سبيل المثال في روايتها «السقوط على نجم» الصادرة عام 2007 عن دار نشر شوئيشا، تحكي بمنتهى التلقائية قصة فتاة كانت ترتبط بشاب في مثل عمرها وتعيش معه في نفس المنزل، ولكنها بعد أن أصبحت روائية مشهورة، تتعرف على شخص أثناء العمل فتقع في حبه وتترك منزل حبيبها الأول، لتسكن بمفردها بالقرب من منزل حبيبها الجديد، الذي نفاجأ أنه يعيش مع شخص رابع في علاقة مثلية شاذة.
وتستمر أحداث الرواية لتحكي تفاصيل هذه العلاقات المتشابكة الغريبة بين فتاة وثلاثة ذكور.
حبيبها السابق الذي لا ييأس من محاولة حثها على العودة له ومواصلة العيش معه في منزله كما كانا، وحبيبها الحالي الذي يعاني هو الآخر من تمسك شريكه المثلي به وعدم سماحه له بفسخ تلك العلاقة الشاذة بينهما وتهديده له بالانتحار إذا ما فكر في مغادرته منزلهما، بل ومحاولته ذلك أكثر من مرة.
كل هذه الأحداث ترويها البطلة بلسان المتكلم بدون أي شعور بالغرابة وبدون أي محاولة للتبرير.
لأنها تروي واقعا معاشا بدون افتعال وبدون النظر له نظرة استعلائية رافضة.
وتنتهي الرواية كما بدأت بمشهد للبطلة مع حبيبها وهو يقول لها بسهولة: لنتزوج، ولكن البطلة تجاريه وتقترح مازحة عدة أيام بدون الوصول إلى قرار نهائي وتنتهي الرواية بدون معرفة مصير كل أبطالها.
تقول الأديبة المخضرمة والراهبة البوذية جاكوتشو سيْتوأوتشي (92 عاما) إنها من أشد المعجبين بروايات هيتومي كانيهارا لأنها ترى بها جِدّة وحيوية لا توجد لدى المخضرمين من الكتاب والروائيين.
وإنها من خلال قراءة روايات الأدباء الشبان في اليابان تحصل على الدهشة والمفاجأة التي لا تحصل عليها من قراءة كبار الكتاب الذين تعرف على الأرجح ماذا سيكتبون حتى من قبل أن تقرأ أعمالهم.
وتقول جاكوتشو عما يجذبها في روايات كانيهارا: أن شيئا ما منها يظل باقيا داخل عقل قارئها بعد انتهاء القراءة ولا ينفلت منه طويلا.
تشكيل الجسد
في روايتها الأشهر «أقراط وثعابين» والتي حازت جائزتي سوبارو وأكوتاغاوا معا، تحكي كانيهارا قصة الفتاة «روي» التي تقابل الفتى «أما» الذي يحادثها بود في أحد النوادي الليلية دون سابق معرفة، ويقول لها: هل تعرفين اللسان المشقوق؟ فلما تسأل مندهشة عن معنى ذلك، يُريها لسانه وقد انشق من منتصفه إلى جزأين ليتشابه مع ألسنة الثعابين.
انبهرت روي من ذلك اللسان وجذبها حديث «أما» عن فكرة إعادة تكوين الجسد، فلازمته منذ تلك الليلة وأصبحت حبيبة له تسكن معه في غرفته.
ويأخذها «أما» معه إلى شخص يدعى شيبا سان صاحب محل للوشم والأقراط، لتبدأ معه مشوار إعادة تشكيل جسدها، بداية من ثقب لسانها ووضع قرط به استعدادا لشقه إلى نصفين، وانتهاء برسم وشم ضخم على ظهرها لصورة تنين يتصارع مع حيوان خرافي يظهر كثيرا في الأساطير الصينية ويسمى كيلين أو (Qilin).
وخلال عملية إعادة تشكيل الجسد تلك، يقع رسام الوشم شيبا سان تدريجيا في حب روي، ولا تمانع روي في إقامة علاقة جسدية معه رغم استمرار حبها وإقامتها مع «أما».
في أحد الليالي وأثناء سير روي و«أما» في الطريق يحاول بعض الشباب الماجن الاعتداء على روي، وهنا يتحول «أما» الشاب الهادئ الوديع الذي لا ينم مظهره الخارجي المنفر عن ميله للعنف.
فهو يتميز بشعر حلقه من الجانبين وأطال وسطه مثبتا لأعلى في تقليد لخوذة الجنود الرومان في العصور الغابرة، وبكمية الأقراط التي يضعها في جسده وبلسانه المشقوق ووشمه على أغلب جلد البشرة.
كل ذلك لا ينم إلا على مدى طيبة قلبه ووداعته، ولكن «أما» ذلك الطيب الوديع يتحول إلى وحش كاسر عندما يحس أن أحدهم يحاول إيذاء روي، فينقض على واحد من هؤلاء الشباب المعتدين وينهال عليه ضربا، بعد أن هرب الآخرون عندما رأوا أمامهم هذا الوحش العنيف، ولا يتركه إلا بعد استعطاف لوي له بتركه وضرورة الهرب من المكان.
يهرب الاثنان بعد أن يتركا المكان ويعودا إلى منزلهما.
بعد أيام تقرأ روي في الجرائد خبرا عن موت أحد الشباب بعد الاعتداء عليه بالضرب وتحطيم وجهه.
وتعرف من تفاصيل الخبر أنه الشاب الذي ضربه «أما»، وأن الشرطة تبحث عنه.
تخفي روي الخبر عن «أما» وتحاول بشتى الطرق تغيير مظهره الخارجي بحلق شعره وصبغه بلون مختلف، ولكن دون أن تخبره بالسبب بل تقول له فقط إنه يبدو بذلك أكثر وسامة وأنها تحب مظهره الجديد.
وفجأة يختفي «أما» وتحاول روي البحث عنه، فتجد أنها لا تعرف عنه أي شيء، حتى اسمه الحقيقي لا تعرفه، لا تعرف إلا أنه «أما» ذلك الشاب الطيب الوديع الذي يرتكب جريمة قتل من أجلها.
وهنا تلجأ روي إلى شيبا سان الذي لم تنقطع علاقتها الجسدية معه طوال الرواية، فيساعدها في البحث عن «أما» ويذهبا معا لإبلاغ الشرطة وإعطائها صورته ومواصفاته.
وبعد ذلك يتصل شيبا سان بروي ليخبرها أن الشرطة تريد منهما الذهاب إلى القسم للتعرف على جثة يشتبه أنها جثة «أما».
وتذهب روي لتجد أن الجثة جثة «أما» فعلا، ولكنها قد تحولت إلى جسد مشوّه بعد الاعتداء عليها بشدة لدرجة لا يمكن معها معرفة ملامح وجهه ولكنها تتعرف عليه من سمات جسده ومن الأقراط والوشم المميز له.
وتعرف بعد ذلك أنه تم الاعتداء عليه جنسيا قبل قتله.
وهنا تشك روي في أن شيبا سان هو الذي قتل «أما»، ليزيحه عن طريق زواجه منها.
ولكنها لا تملك الدليل ولا الشجاعة لتسأل شيبا سان عن ذلك.
وتنهي كانيهارا الرواية بشكل غامض فلا نعرف من قتل «أما» هل هو شيبا سان أم أصدقاء الشخص الذي قتله «أما» والذي يبدو أنهم أعضاء في عصابة من عصابات الجريمة المنظمة.
ولا ندري هل ستتزوج روي من شيبا سان كما عرض عليها الزواج، أم ستتركه وتعود إلى حياتها الهادئة قبل التعرف على الاثنين.
الرواية تمتاز بسلاسة وتلقائية شديدة في السرد بحيث تأخذ بتلابيب عقل القارئ فلا يتركها إلا وقد أنهاها في جلسة واحدة، ولا يستطيع التخلص من التفكير في محتواها بعد قراءتها كما قالت الراهبة العجوز والأديبة الأريبة جاكوتشو سيْتوأوتشي ذلك عن حق.
جائزة مستحقة
يقول الروائي الشهير ريو موراكامي عضو لجنة اختيار جائزة أكوتاغاوا العريقة إنه ظل الليلة التي سبقت اجتماع تقرير الجائزة يجهز الأسباب التي يقنع بها اللجنة بالموافقة على إعطاء الجائزة لرواية أقراط وثعابين، وظل يفكر في كيفية إقناع أعضاء اللجنة، وقد ظن أن الأغلبية ستعارض بشدة لما في الرواية من لغة جريئة تتناول حياة الشباب كما هي بدون تجميل وبعبارات صريحة وأحيانا بشكل خادش للحياء، ولكنه فوجئ بأن اللجنة قررت إعطاء كانيهارا الجائزة بالإجماع تقريبا ولم يعترض أحد، وبذلك لم يكن هناك أية فائدة لما حشده من وسائل الإقناع، فالرواية وحدها كانت كفيلة بإقناع جميع أعضاء اللجنة.
تعيش كانيهارا في باريس حاليا هي وابنتاها، بعد حدوث الزلزال الضخم في شرق وشمال اليابان وبعد حدوث انفجار إشعاعي في محطة «فوكوشيما دايئتشي»، خوفا على طفلتيها من خطر الإشعاع النووي.


* المصدر الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الإماراتية
http://www.alittihad.ae/details.php?id=76940&y=2014&article=full